دحض الادّعاء القائل بأن الدّين البهائي يعتنقه السّذج من النّاس



 
يذهب بعض من يكتبون ضدّ الدّين البهائي إلى القول أن دعوة حضرة الباب وحضرة بهاء الله إنما تستهوي القلّة القليلة من السُذّج الذين لا شأن لهم بين النّاس، وهم في هذا يقصدون الإقلال من شأن الدّعوة البهائية وإظهارها ديناً يعتمد على الدّجل والخداع.  والمدهش حقاً إذا كان الأمر كذلك أن تُجّند كل مثل هذه الطّاقات والكفاءات والقوى لمحاربة أتباع هذا الدّين، أليس من المعقول أنه لو كان هؤلاء من الزُمرة التافهة – كما يدّعي البعض – أن يُترَكوا وشأنهم؟  أليس من الواضح أنّ هذا الدّين قد لفت نظر ثاقبي البصر والمثقفين والمُتحرّرين وأصحاب الضمير والإنصاف فانحازوا إلى صفّه إن لم يؤمنوا بتعاليمه مما أقضّ مضاجع أولئك الذين يُناوئونه؟  ولكن فلنأخذ مثلاً من التاريخ الدّينيّ لنبرهن أنّ في بدء دعوة كلّ رسول يكون أول المُقبلين من الذين – يدّعوهم المعارضون- بالسُذّج من النّاس.
 
إبّان السنوات الأولى من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلّم عارضه وعاداه علماء مكة وعُظماؤها كما لم يشذّ عنهم وجهاء المدينة وأبرز رجالات قريش، فآمن بدعوة الرسول الكريم أبسط الناس وأقّلهم شأناً، ولم يكن أحد من المؤمنين الأوائل ينتمي إلى فئة العلماء.  فقد كان الإمام علي رضيَ الله عنه عند إيمانه صبياً ولم يكن قد اكتمل نضوجه بعد.  ولو استعرضنا أسماء المُقبلين الأوائل لوجدنا بينهم أمثال بلال بن رباح الحبشي، وصهيب ابن سنان الرومي، وتميم الداري وعمار بن ياسر وعدّاس الأشوري وميتم التّمار.  ويتفضل حضرة عبد البهاء بهذا الخصوص فيقول:
"عند ظهور الرسول صلى الله عليه وسلّم وفي السّنوات الأولى لدعوته عارضه وعاداه علماء مكة والمدينة، فآمن به من لم يكن ينتمي إلى فئة العلماء! فتأمّلوا كيف أن بلال الحبشي الذي لم يكن عنده شيء من العلوم ارتقى إلى سماء الإيمان والإيقان.  بينما قام عبد الله بن أبيّ الذي كان من العلماء على النّفاق ضدّ الإسلام، ففاز راعي الأغنام (أي أبا ذر الغفاري) بمرتبة المحبوب وانتسب إلى مالك الأمم (يعني الرسول صلى الله عليه وسلّم) بينما حُرِمَ من ذلك علماء العصر وحكماؤه.  ويشير إلى هذا قوله في الحديث "وحتى يصير أعلاكم أسفلكم وأسفلكم أعلاكم."(61)
 
وقد جاء معنى هذا البيان في كلّ الكتب السماويّة وفي بيانات الأنبياء والأصفياء، فنجد في القرآن الكريم قوله تعالى:  "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ" (سورة القصص-5) وأيضاً قوله تعالى:  "وَإِذَا قِيْلَ لَهُم آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُم هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ" ( سورة البقرة -13).  هذا ويعود القرآن الكريم فيؤكّد لنا أن من يدعوهم النّاس بالسُذّج في فجر كلّ مظهر إلهيّ وفي بداية كلّ رسالة إلهيّة أو دعوة نبويّة، هؤلاء هم الفائزون حقاً، فيذكر الله في كتابه العزيز:  "فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرْاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ" (سورة هود-27) وأيضاً قوله تعالى:  "قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُم أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ" (سورة الأعراف 75-76)
                 
والقول بأنّ السُّذّج والمستضعفين والمتواضعين من عبيد الله هم الذين آمنوا بدعوة الباب خاصة والدّعوة البهائية عامّة يأتي في معظم الأحيان من قِبَل فئتين من النّاس، فئة غير مُتديّنة وفئة متديّنة.  فالفئة الأولى تعتبر الأديان جميعها سواسية في البطلان وتعتبرها مجموعة من الأفكار الساذجة التي لا تستحق الاهتمام.  أما بالنسبة للفئة المتدينة التي يكون أفرادها أشّد قسوة في نقدهم وتأكيداً على هذه الناحية فليتذكر هؤلاء فيما جاء في قوله تعالى مراراً أن أوائل المؤمنين بدعوة الرّسول أو النبيّ هم من السُذّج والمُستضعفين المُستذلين من عباده، فإذا ما اتّخذنا هذه حجّة وذريعة لدحض حقيقة الرّسالة البهائيّة نكون بذلك وبالقياس قد أنكرنا كل ما جاءت به الكُتُب السماويّة وكلّ الدعائم التي قامت عليها الرسالات الالهية وخاصة الرّسالة الإسلامية الكريمة، فعلينا ألاّ ننسى أن أول المؤمنين بالرسول كانت إمرأة لا تعرف القراءة والكتابة، وصبياً لم يكن يتعدى سن الحداثة، وعبداً رقيقاً، ألم يكن كلّ هؤلاء وأوائل الصّحابة من الفقراء والبُسطاء أعزّهم الله بالإسلام ورفع مقامهم بأن هداهم إلى نعمة الإيمان بالرّسالة التي جاءت لتجعل منهم سادة على من كان أعلم منهم وأكثر جاهاً وغنىً وأرفع مقاماً ومجداً.
 
ولكن على الرّغم من هذا كُلّه فإن الكثير من أولي العلم والفضل آمنوا بحضرة الباب أمثال ملاّ محمد علي حجّة زنجاني(62) الذي كان من فحول علماء عصره ومن أعظم أساتذة الإسلام في إيران، كما آمن به السيد يحي الدارابي الذي كلّفه الشاه لعلمه الواسع وإطّلاعه المُدهش في الإسلام، كي يُحقِّق في أمر الباب فكانت نتيجة التّحقيق إيمان السيّد يحيى وإعلانه تبعيته لحضرة الباب، وغيرهما كثير من أهمّهم :  الملاّ علي البسطاميّ، وملاّ سعيد البارفروشي، وملاّ نعمة الله المازندراني وملاّ يوسف الأردبيلي، وملاّ مهدي الخوي، والسيد حسين الترشيزي، وملاّ مهدي الكندي وأخوه ملاّ باقر وملاّ عبد الخالق اليزدي، وملاّ علي البرقاني.  ويذكر حضرة بهاء الله هذه الحقيقة في كتاب "الإيقان" ويسترسل بقوله :
"وأمثالهم ممن يبلغ عددهم تقريباً من أربعمائة نفس، أما أسماؤهم جميعاً مثبوتة في اللوح المحفوظ الإلهي.  وهؤلاء كلهم قد اهتدوا بشمس الظهور وأقرّوا وأذعنوا لها على شأنٍ انقطع أكثرهم عن أموالهم وأهليهم، وأقبلوا إلى رضى ذي الجلال، وقاموا بتضحية الأرواح في سبيل المحبوب.  وأنفقوا جميع ما رُزِقوا به على شأنٍ كانت صدورهم هدفاً لسهام المخالفين ورؤوسهم زينة لسنان المُشركين.  ولم تبق أرض إلاّ وقد شربت من دم هذه الأرواح المجرّدة، ولم يبق سيف إلاّ وقد مرّ على رقابهم.  دليل صدق قولهم فعلهم.  فهل شهادة هذه النفوس القُدسيّة الذين أنفقوا أرواحهم في سبيل المحبوب على هذه الكيفيّة، والذين تحيّر العالم كافة من بذلهم أرواحهم ونفوسهم، هل شهادتهم لا تكفي لهؤلاء العباد من أهل هذا العصر؟  وأمّا إنكار بعض العباد  الذين يبيعون دينهم بدرهم، ويبدّلون البقاء بالفناء ويستبدلون كوثر القُرب بالعيون المالحة، وليس لهم مراد إلاّ أخذ أموال الناس كما تشاهد أن كل واحد منهم مشغول بزخارف الدنيا وبعيد عن الرّب الأعلى."(63)
 
أمّا العلماء الذين آمنوا بحضرة بهاء الله فمنهم الملاّ محمد قائني، والميرزا أبو الفضل الجرفادقاني وكلاهما من أعلم علماء العالم الإسلامي وأشهر مُجتهديه.  وما يقال عن الملاّ محمد قائني بأنه أكثر أهل عصره صلاحاً وتقوى، وقد أجّله الشيخ مرتضى الأنصاري أحد كبار علماء الشيعة إجلالاً كبيراً، والشيخ الأنصاري لا يزال اجتهاده مرجعاً غنياً للعلماء والفقهاء وكان يُعرف بـ "علم الهدى" وله كتاب معروف بعنوان "المكاسب في فقه المذهب الجعفري".  والمعروف أنّ "علم الهدى" لم يأذن للاجتهاد الدّينيّ إلاّ لثلاثة أشخاص إبّان زعامته الدّينية في النّجف الأشرف وهم المُلاّ محمد قائني وسيد حسين ترك الذي مات في طريق سفره إلى مكة المكرّمة، وثالثهم الحاج ميرزا حسن الشيرازي الذي أصبح فيما بعد زعيماً ومرجعاً دينياً للطّائفة الشيعية واحتلّ مكان أستاذه "علم الهدى"  لفترة من الزمان.  ويتضح من هذا أن الزّعامة الإسلامية بعد "علم الهدى" كانت محصورة في شخصين أحدهما المُلاّ محمد قائني الذي لولا إيمانه بحضرة بهاء الله لاحتلّ في العالم الإسلامي مركزاً كمركز صاحبه وصنوه في الفقه.(64)
 
بالإضافة إلى من آمن بدين حضرة بهاء الله هناك المعجبون الكثيرون من أهل العلم والفضل ممّن شهدوا لهذا الدّين ولتعاليمه السامية ومجّدوا حضرة عبد البهاء لكونه مثلاً للحياة البهائية ومبادئها وسُننها فنجد أمير البيان المجاهد الكبير الأمير شكيب أرسلان يصفه في كتابه المعروف "حاضر العالم الإسلامي" :
"وكان (حضرة عبد البهاء ) آية من آيات الله بما جمع الله فيه من معاني النّبالة ومنازع الأصالة والمناقب العديدة، التي قلّ أن ينال منها أحد مناله، أو يبلغ فيها كماله، من كرم عريض وخلق سجيع، وشغف بالخير وولع بإسداء المعروف، وإغاثة الملهوف، وتعاهد المساكين بالرّفد بدون ملل، وقضاء حاجات القاصدين بدون برم، هذا مع علو النفس، وشغوف الطبع، ومضاء الهمة، ونفاذ العزيمة، وسرعة الخاطر وسداد المنطق وسعة العلم ووفور الحكمة، وبلاغة العبارة.... وبلغ من قوّة الحجّة وأصالة الرأي وبُعد النظر الغاية التي تفنى دونها المُنى، حتى لو قال الإنسان إنه كان أعجوبة عصره ونادرة دهره، لما كان مُبالغاً، ولو حكم بأنه من الأفذاذ الذين قلّما يلدهم الدهر إلاّ في الحقب الطوال...."(65)        
 
مجمل القول أن المنصفين لا يخفون الحقيقة الواضحة في أن أتباع حضرة بهاء الله في مشارق الأرض ومغاربها ينتمون إلى أهل الخير من بني البشر وهم من ذوي الفكر، كما هو الحال مع أتباع هذا الدّين في موطنه الأصلي رغم انكار المناؤين وإثباتاً لهذا القول نورد ما جاء في بحث علميّ مستفيض عن الأدب الفارسي بقلم عالم لا يرقى اليه شك هو الدكتور أمين عبد المجيد بدوي: 
   "في القرن التاسع عشر ظهرت البابيّة ثم البهائيّة ولها في إيران أتباع متحمّسون بين الطبقة المثقّفة حتى لتُعدّ إيران أهم مراكز هذه الدعوة في وقتنا الحاضر"
(66)
 



Copyright 2006
albahaiyah.com