البهائية والسياسة



  
نتناول في هذا القسم موضوع الاتهامات الباطلة التي توجّه إلى الدّين البهائي مدّعية بأنه يخدم أغراضاً سياسيّة، وانّه مرتبط بأجهزة سياسيّة مشبوهة وما إلى ذلك من ادعاءات ولكي نبني بعض الحقائق كاملة نجد من الضروري تقسيم الموضوع إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

أ-  أصول هذا الاتهام والأدلّة الزّائفة التي يقدّمها المعارضون لهذا الدّين ضدّه.
ب- تحريم الاشتغال بالأمور السياسيّة تحريماً قاطعاً في الدّين البهائي.
ج-  الشعور الوطني الصّادق لدى البهائيّين.  
 
أصول هذا الاتّهام:  
 
رزح العالم الشرقي وشعوبه مدة طويلة تحت نيّر الاستعمار الاجنبي وكانت نتيجة هذا الاستعمار والظّلم الذي تحمّلته تلك الشعوب أن كَرِه َ الشرق المستعمرين وقاموا على محاربتهم ومحاربة أتباعهم.  وهكذا اغتنم أعداء الأمر البهائي ومناوئيه هذه الفرصة – فرصة كراهية الشرق للمستعمر-  فاستغلوا العاطفة المتأجّجة في صدور النّاس ضد الأجنبي والظلم الذي يمثّله حكمه فاخترعوا باطلاً وزوراً علاقة لا أساس لها من الصحّة ولم يتمكّنوا من إثباتها، بين هذا الدّين والمستعمرين.
 
كان الهدف الأساسي الذي سعى اليه مضطهدو هذا الدّين الزعم بأنه مرتبط بالاستعمار هو زرع الكراهية والبغضاء في نفوس النّاس تجاه الدّين البهائيّ.  والمدهش في الأمر أن هذا الزّعم لم يقتصر على ربط هذا الدّين بمستعمر واحد بل تعدّى ذلك إلى عدد من المستعمرين ذوي الاتّجاهات المختلفة ومما يزيد في دهشتنا أنه كلّما ظهر مستعمر جديد لفّق أعداء هذا الدّين تهمة جديدة لربطه بوجه الاستعمار الجديد، وكأنّ الحيَل لا تعيهم في شأوهم هذا.  وليس هذا الاتهام بجديد في تاريخ الأديان السماوية، فإن الإسلام دين الله الحنيف اتّهم في بداية أمره بمثل ما يُتهم به الدّين البهائي وزعم أعداء الإسلام كما زعم معارضو الدّين البهائي  بأن دين الله مرتبط بالأجنبي الغريب.  قال الله تعالى:  "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَومٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُو ظُلْماً وَزُوْراً" (سورة الفرقان-4).
 
ورداً على هذا الاتهام الذي وجّه للرسول الكريم يقول الله تعالى "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌ مُبِينٌ " (سورة النحل-103)
 
في الماضي كان أعداء الدّين البهائي يتّهمونه بأنه مرتبط بالنفوذ الرّوسي في إيران وتارة بالنّفوذ البريطاني، ونجدهم اليوم وبعد أن انتشر هذا الدّين انتشاراً عظيماً في الولايات المتحدة يتهمونه بأنه مرتبط بعجلة الاستعمار الغربي والاميركي خاصّة، وبالتّالي بالصهيونيّة، وهذا بيت القصيد، إذ أنه لو لم تكن الصهيونية مكروهة لما حاولوا هذا الإدّعاء.  أمّا في المناطق التي يوجد فيها كره للشيوعيّة فيتّهم هؤلاء الدّين البهائيّ بأنّه مرتبط بها، وهكذا دواليك إذ لا نهاية للارتباطات التي يخترعها المدّعون.
 
قد ردّد عدد من أصحاب الكتب المعادية للدّين البهائي الكثير من هذه الاتهامات واعتمد معظمهم على كتاب مختلق لم يتورع أصحاب تلك الكتب من ذكره كمصدر رئيسي يحاولون به إثبات إتهاماتهم ونعني بذلك كتاب ظهر في إيران عام 1944 بعنوان "مذكرات كينياز دالكوروكي"، هو الكتاب الذي نشر غفلا من أي توقيع وهو مجهول المؤلف ولا يحمل اسم ناشر ما وطُبِعَ بمطبعة مجهولة.  ويكفي أن نذكر هذا ليتأكد لدى الباحث المحقّق أن الكتاب المذكور مبعث للشكّ ومصدر لكثير من القلق لمن يريد استقاء المعلومات منه.  ولن نورد هنا الكتب العربيّة العديدة التي اتخذت من هذا الكتاب مصدراً تسعى عن طريقه إثبات التهم لإن القارىء المحترم لا شكّ سيدرك بنفسه حين يمرّ اسم الكتاب أو يذكر في الحواشي كمصدر بأنه وثيقة مختلقة.  ولا داعي لنا نحن أن نقرر هذا ففي ما قرره المؤرخون الإيرانيون من غير البهائيين وبعض هؤلاء ممن كتبوا ضد هذا الدّين لدليل قاطع على زيف ما فيه من حقائق.  فعلى سبيل المثال يورد المؤرخ الإيراني المعاصر عباس إقبال (46) (وهو من غير البهائيين) في مقال له بمجلة "يادﮔار" الإيرانيّة ما يلي: 
" أما عن قصّة كينياز دالكوركي فإن حقيقة هذه القصّة أنها اختلقت اختلاقاً وهي من عمل بعض الدجّالين.  فمن المدهش أن يخرج هذا الكتاب في مثل هذا الوقت (أي عام 1944) دون أن يشير اليه أحد قبل الآن...علاوة على ذلك فإنه يحتوي على مغالطات تاريخية مضحكة فتخلق هذه الأغلاط الشنيعة الشكّ بالنسبة لصحّة محتوياته."(47) 
ويذكر العلاّمة مُجتبي مينوى الاستاذ بكلية العلوم الدّينيّة والمعارف الإسلامية في جامعة طهران في مقال له بمجلة "راهنماى كتاب" ما يلي:
 " لقد ثبُت لدي بأن المذكرات الخاصة بدالكوركي هي مذكرات مختلقة."(48)
ويسترسل في شرح التناقض الموجود بين هذه المذكرات وبين الحقائق التاريخية الثابتة فيذكر بعض هذه التناقضات وكيف أنه يستحيل معها ما جاء في هذه المذكرات من حوادث تاريخية ويختم مقاله بقوله:
  "ونظراً لهذه المغالطات التاريخية في هذه المذكرات المنسوبة إلى دالكوركي وهي مغالطات تخالف الواقع، يمكننا الحكم بأنها كلّها مختلقة وإن اختلاقها قد تمّ في إيران." (49)  ولعلّ أكبر دليل على الافتراءات التي جاءت في "مذكرات كنياز دالكوركي"  هو ما أورده السيد احمد كسروى التبريزي المشهور بعدائه للدّين البهائي والذي سبق له وأن ألّف كتاباً مفصلا في تكذيب الدعوة البهائيّة بعنوان "بهائي ﮔرى" المنشور في طهران عام 1944:
    " انتشر ..... مقال بعنوان "مذكرات كنياز دالكوركي"  ظنّه البعض مدعاة للسّرور، فقام
      أناس باستنساخه، وأرسلوا نسخاً منه يميناً وشمالاً ... إن ممّا لا شك فيه أن هذا المقال
      مُختلق، فقد ثَبُتَ مؤخراً أنه من عمل شخص في طهران يفتقر إلى العلم ويَدّعيه، وقد
     حاول لمدة سنوات عدّة أن يشتهر بين النّاس، وهو صاحب هذا الاختلاق، وقد تمكّن من
     توزيعه بين الناس بطريقة خفيّة غير معروفة ...."
(50)
 
ومن جملة الاتهامات التي تُلقى جزافاً إتهام يقول أن الحكومة الروسيّة كانت وراء الدعوة البهائيّة في إيران، ويَدّعي المتّهمون اتهامهم هذا لأنّ السّفير الروسيّ توسّط لدى السلطات الإيرانية للإفراج عن حضرة بهاء الله، وحقيقة الأمر أن حضرة بهاء الله لم يقبل وساطة أحد ورفض بإباء أن يكون مطيّة لأيّ غرض سياسيّ، ولولا أن زوج شقيقته كان موظفاً بالسّفارة الروسيّة وبصورة شخصية توسّل لدى السفير للتدخلّ لصالح شقيق زوجته، لما كان من الممكن أن يحاول السّفير الروسي مساعدة حضرة بهاء الله.  فالمسألة كانت على نطاق شخصيّ بحت، ولو أراد حضرة بهاء الله الاستعانة بالتيارات السياسية الإيرانية لكان بإمكانه، بدون شك، أن يذود عن نفسه النفي والسّجن والعذاب والإرهاق، ولكن الهدف الذي كان يسعى اليه كان هدفاً إلهياً قدّم من أجله صاحب الرسالة البهائية أعلى التضحيات دون الاستعانة بأحد من العباد.
 
وحينما يفشلون أصحاب هذا الاتهام في إثباته يخرجون علينا باتّهام آخر يقول بأن وراء هذا الدّين الحكومة البريطانية،(51) فيكتب فريدون آدميت في كتابه "أمير كبير وإيران"(52):
"إن الملا حسين بشروئي كان عالماً خارق الذكاء وطليق اللسان، ومنذ عام 1245(1830) حيث كان يقطن مشهد (خراسان) أصبح من السياسيّين وتقرّب منه بعض الموظّفين البريطانيين حتى أنه في عام 1830 اتّصل بضابط بريطاني .... "(53) 
وأعجب ما في الموضوع المغالطة التاريخيّة بالإضافة إلى بطلان الادّعاء القائل بأن الملاّ حسين كان من السياسيّين، فالملاّ حسين لم يكن سياسياً ولم يدخل ميدان السياسة  علاوة عن أن عمره عام 1830 لم يكن يتعدى السادسة عشرة، وكان ذلك في العام بالذّات بمدينة كربلاء ولم يكن في ايران.
 
لقد حاول بعض السياسيين البريطانيّين إقناع حضرة بهاء الله وضع نفسه تحت الحماية البريطانيّة(54)، وكانت بريطانيا آنذاك صاحبة نفوذ عظيم ومن أقوى الدول في ذلك العصر فاتصل بحضرته القنصل البريطاني العام في بغداد السير أرنولد بارووز(55) وحاول أن يقنع حضرة بهاء الله بقبول الجنسيّة البريطانيّة وبقبول وضع نفسه تحت الحماية البريطانيّة وعرض عليه الإقامة في الهند محاطاً بكل مظاهر العزّة والرّاحة، ولكن حضرة بهاء الله رفض بإباء هذا العرض واختار حياة النفي والسّجن واستمرّ في تحمّل الشّدائد والبلايا والعذاب طوال مدّة أربعين عاماً من الزمان.  ألم يُعْرض على الرّسول صلى الله عليه وسلّم في بدء دعوته المال والجاه لترك دعوته، إلاّ أن موقفه تلخّص في ردّه "والله لو وضعتم الشّمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر لما تركته" وبالفعل عُرضت على حضرة بهاء الله المُغريات من كل نوع إلاّ أنّه وقف موقفاً لا يختلف عن هذا الموقف في شيء.
ولا يكتفي أصحاب الاتّهام بهذا كلّه بل يأخذون على حضرة عبد البهاء أن الحكومة البريطانية منحته عام 1919، بعد انتهاء الحرب الكونيّة الأولى، وساماً من درجة فارس، وكان الوسام تقديراً من الحكومة البريطانيّة على الأعمال الخيرية الهائلة التي قام بها حضرة عبد البهاء إبّان المجاعة الكبرى في سوريا ولبنان وفلسطين، فأطعم الآلاف من الناس وأنقذ مئات الأطفال من الموت بفضل رعايته لهم وتوفير الغذاء، ولقد سار في موكبه الأخير الآلاف من أبناء الشعب يندبون حضرة عبد البهاء بقولهم "لقد مات أبو الفقراء والمساكين، ليس لنا حياة من بعدك."
 
والسؤال الذي يطرح هنا هو إذا كانت الحكومة البريطانيّة قدّرت هذه الجهود ومنحت حضرة عبد البهاء ذلك الوسام فأيّ ذنب لحضرة عبد البهاء في ذلك؟  ويجدر بالذكر هنا أن الوسام لم يتقلّده حضرة عبد البهاء أبداً، بل وهبه لأحد أتباعه المتواضعين.
 
تحريم الاشتغال بالأمور السياسيّة تحريماً قاطعاً في الدّين البهائيّ:  
 
إن التّهمة الباطلة الموجّهة للبهائيين بأن لهم ارتباطات سياسية مشبوهة وخاصة بالمؤسّسات الصهيونيّة العالميّة – وهذا اتّهام باطل من أساسه يُلقى على عواهنه دون أن يكون لدى مُطلقي هذه الاتّهامات حتى شبه دليل- إنّ هذه التّهمة بالذّات لا تأخذ بعين الاعتبار أبداً التّحريم القاطع الذي سنّه حضرة بهاء الله لأتباعه والمُتعلق بالاشتغال بالأمور السياسيّة وعلاوة عما صرّح به حضرة عبد البهاء من أن ميزان معرفة ما إذا كان الشخص بهائياً أم غير بهائي هو أن الذي يتدخّل في الأمور السياسية أو الذي  يتخطّى حدود وظيفته الشخصيّة فإنّ عمله هذا يكون برهاناً كافياً على أنه ليس بهائياً ولا حاجة لبرهان آخر ويسترسل حضرة عبد البهاء في تصريحه هذا فيضيف بأنه نظراً لهذا المبدأ الجوهريّ يترتّب على الفرد البهائيّ الذي تُسوّل له نفسه الاشتراك في المسائل السياسية أو فتح شفتيه للخوض في موضوع سياسيّ مهما كان نوعه أكان ذلك في منزله أو في محفل من محافل الأحباء (أي البهائيين) أن يقطع صلته أولاً بهذا الدّين ويعلن انفصاله عنه حتى يعلم الجميع أنه لم يبق له ثمة رابطة أو علاقة به ثم يقول ما يشاء.  وخلاف ذلك تكون العاقبة حدوث الضرر للجميع وإفساد المسلك الروحاني للأحباء وانشغالهم بأمور تكون سبباً لتدنّيهم وحرمانهم.
 
ويؤكد حضرة ولي أمر الله شوقي أفندي في رسالة له بعنوان "العصر الذهبي لدين بهاء الله" على أن الدّين البهائي مجرّد من أية صبغة سياسيّة وبعيد كل البعد عن المؤثرات السلبية وعوامل الانحلال العاملة على هدم صرح الكيان الإنسانيّ:
"أشعر أنه فرض عليّ الآن وقد حان وقته أن أصرّ على إيضاح أهميّة مبدأ هو- في المرحلة الرّاهنة من نشوء عقيدتنا- حريّ بأن يظلّ التأكيد عليه مطرداً لتطبيقه في شرق الأرض وغربها على حدٍّ  سواء، وهذا المبدأ ليس إلاّ ذاك الذي يتضمن عدم اشتراك تابعي دين الله بصفتهم الفرديّة أو بصفتهم مجتمعين كهيئات محليّة أو مركزيّة في أي شكل من الفعالية والنشاط يمكن أن يؤول عن طريق مباشر وغير مباشر كتدخلّ في الشؤون السياسيّة لأية حكومة كانت."
(56)
 
وتنصّ معظم اللوائح الداخليّة ولوائح النظم الخاصّة والعامّة التي بموجبها تدار فروع الجامعة البهائية العالمية بصريح العبارة وبشكل قاطع ما تنص عليه المادة 21 من باب "واجبات وحقوق البهائي":
"يجب على البهائيّ أن لا يشترك في مجهود يمكن أن يُعتبر بأنه تدخلّ في الأمور السياسية سواء كان مقصوداً أو غير مقصود في حكومة...وأن يمتنع عن أي عمل أو كلمة يُفهم منها البعد عن الأصول المؤسّسة من حضرة بهاء الله سواء كانت روحيّة أو اجتماعيّة أو إداريّة، ومن باب أولى الإنضمام إلى عضوية أي هيئة أو جمعيّة لا تطابق برامجها التّعاليم الأمريّة"(57)
إنّ التّعاليم البهائيّة في هذا المجال يطبّقها البهائيون تطبيقاً تاماً، فهي لا تترك مجالاً للشكّ بأنها بريئة وخالصة من كل تهمة من تهم السريّة والباطنيّة أو خدمة مصالح خاصّة مما يحاول البعض لصقها بها.  وتاريخ الدّين البهائي الذي يمتد مائة وتسعة وعشرين عاماً من الزمان يُعطينا الدّليل الكامل على أنه لم يرضخ لأية قوّة سياسيّة أو دينيّة أو حزبيّة في أي بلد من بلاد الشرق والغرب.  فما أعظم فشل كلّ أولئك الذين أرادوا استغلال هذا الدّين لمصالحهم الخاصة، أكان أولئك من الملوك الجبابرة أو السلاطين العتاة أو من السّاسة الدّهاة في أمم الشرق والمغرب.  فقد صمد هذا الدّين نقياً ناصع البياض مستقلاً تاماً بذاته، مترفعاً عن كل طابع سياسيّ أو لون حزبيّ كما برهنت لنا حوادث الاضطهادات القاسية والامتحانات المريرة التي تعرض لها البهائيون في الشرق والغرب والمحاكمات العلنية التي أجرتها بعض الدول والحكومات في كلا النصفين من العالم مؤكّدة في كلّ مرّة أنّ الدّين البهائيّ لا علاقة له بالمرّة بأيّة حركة سياسية مهما كان لونها، وإنّه منزّه من أية مطامع دنيويّة، وإنّه ليس حركة سريّة غامضة، كما أنه ليس مذهباً من المذاهب الدّينية، أو حزباً من الأحزاب اليساريّة أو اليمينيّة، أو منظمّة من المنظّمات السياسية.  فالهدف السّامي لهذا الدّين كان، ولا يزال، ضمان الكيان الفردي لكلّ شعب وأمّة في إطار من الوحدة والأخوّة العالميّة لتحقيق مبدأ السلام العالميّ الذي جاء به مؤسّس الدّين البهائي كأساس لرسالته الإلهيّة في هذا العصر.  فكيف يُعقل أن ينضم المؤمن بدين يحرّم على أتباعه "الجدال والنزاع" تحريماً قاطعاً إلى أي تنظيم يكون ضد هذا أو ذاك أو يخلق فئة تكون بحكم تنظيمها الحزبيّ قد خلقت التفرقة في المجتمع الإنسانيّ الذي يؤمن البهائيون بأنه وحدة متكاملة لا تتجّزأ.  بالإضافة إلى كل هذا فإن الدّين البهائي يُحرّم أتباعه حتى الانضمام إلى الجمعيات غير السياسيّة التي تتخذ طابعاً سريّاً في نشاطاتها، فقد أمر حضرة ولي أمر الله شوقي أفندي البهائيين في الشرق والغرب الابتعاد عن مثل هذه الجمعيات وعدم الانخراط في عضويتها.  مجمل القول أن الدّين البهائي بمؤساسته المختلفة وبمجتمعاته العديدة ليس سراً من الأسرار ولا غموض في كيانه الإداري والروحي، أبوابه الواسعة مفتوحة لكل من يريد أن يبحث بنفسه ويمتحن صدق ما نقول.
 
إن الكتّاب الذين هاجموا هذا الدّين قد وقفوا حيارى وأصابتهم الدّهشة للسّرعة التي انتشر بها في أنحاء العالم وللأثر العظيم الذي تركه في القلوب المُنيرة الصافية، ولكن تعصّبهم أعماهم عن حقيقة أساسيّة وهي أنه من المحتمل أن يكون ما يبشّر به هذا الدّين هو ما يتطلّبه العصر، فتناسوا هذا وسعوا بشتّى الوسائل إلى تحليل هذه الظاهرة التي أدهشتهم فحاولوا تبرير ذلك بشكل يُرضي أغراضهم، فما وجدوا أمامهم من سبيل إلاّ اختلاق فريّة كبرى تفتقت عن خيالهم وأوهامهم المُغرضة فاخترعوا قصة أن وراء هذا الدّين قوى الصهيونية والاستعمار، وقام هذا النفر من الكتّاب يهاجمون هذا الدّين في عدد من الصحف والمجلات وأصدروا النشرات مكررين هذه "الفريّة الكبرى" دون أن يتمكّنوا من إبراز أي دليل أو يستندوا على أي برهان عقلي أو وثيقة تاريخيّة، وهكذا يقع في حبائل هؤلاء بعض الجهلاء من الناس، أما المنصفون والفلاسفة والكتّاب البارزون من الذين يبحثون في جوهر الأشياء فقد أقرّوا واعترفوا بأن مبادىء الدّين البهائي هي مبادىء سامية وإنسانية عُليا، والبعض الذي لم يكن يؤمن بالله لم يذهب بأكثر من هذا القول إلاّ أن فئة من الكتّاب الملهمين المؤمنين اعترفوا لهذا الدّين بالقوّة الكامنة الغيبيّة واعترفوا به ديناً من الأديان السماوية ومن هؤلاء الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي(58)،  ومن الكتّاب العرب جبران خليل جبران(59) وأمين الريحاني(60) وغيرهما.
 
وينسى الكتّاب الذين يكيلون مثل هذه الاتهامات ضد الدّين البهائي بأن الدّين الإسلامي الحنيف جَابَه تهماً مشابهة في بدء ظهوره واتّهم الرسول صلى الله عليه وسلّم بأن أعداء قريش وقوم آخرون هم وراء دعوة النبيّ الكريم.
ويجدر بنا هنا أن نكرّر بكل تأكيد أن الدّين البهائي لا علاقة له بالصهيونيّة بأي شكل من الأشكال وإنه براء براءة الذئب من دم يوسف من كلّ علاقة أخرى يَدّعيها أعداؤه، فأتباع الدّين البهائيّ يعترفون بما نصّ عليه القرآن الكريم من أنّ دين موسى عليه السلام من الأديان السماويّة، ولا يخرجون عمّا طلبه الرّسول صلى الله عليه وسلّم من أتباعه في موقفهم من شريعة موسى عليه السلام.  أمّا الصهيونية العالميّة فقد وُلِدَت وترعرعت بعد مدة طويلة من ظهور كلّ من حضرة الباب وحضرة بهاء الله، كما أنّ وجود الأماكن المقدسة في فلسطين تمّ قبل أي حركة سياسيّة في تلك البلاد، وتمّ ليس بمحض إرادة مؤسّس الأمر بل رغماً عنه إذ نفته الحكومتان الإيرانيّة والتركيّة آنذاك هو وأتباعه إلى سجن قلعة عكا.
 
 
الشعور الوطني الصادق:  
 
لقد ضرب البهائيّون في مُختلف الدّول التي يعيشون فيها أمثلة عدّة على الوطنيّة الصّادقة والإخلاص الذي لا مجال للشكّ فيه.  فحضرة بهاء الله كما أسلفنا أمر أتباعه بإطاعة حكومة البلاد والمحافظة على القانون وبالأمانة المطلقة في كلّ ما يقومون به ويذهبون إليه، فتجد مثلاً أنّ الفرد البهائي كلّ في ميدانه مُخلصاً في تأدية واجبه نحو وطنه وبني قومه معتبراً هذا الواجب أقدس ما يمكن أن يقوم به من شعائر دينه، كما أنه رغم الاضطهاد العنيف الذي واجهه هؤلاء في موطن دينهم لم يستجيروا بأيّة سفارة أجنبية أو حكومة أخرى بل بقوا على العهد أوفياء يتحملون العذاب والآلام وهم يباركون وطنهم ويتمنّون له الخير والازدهار ويبذلون كل ما عندهم لِرفعة شأن ذلك الوطن ورفاهيّة أبنائه.
 
 

 
 
 
 



Copyright 2006
albahaiyah.com