|
|
|||
عبد البهاء في كلمات معاصريه(الجزء الأول)
المقتطف التالي هو من كُتيّب بعنوان
"عبد البهاء"
تأليف الدكتور زين نور الدين زين الجامعة الأمريكية في بيروت، تشرين الثاني 1971، ص 8-10 كتبت عدة مقالات في جرائد ومجلات عربية
مختلفة في الشرق الأوسط عن مزايا وأوصاف وأعمال حضرة عبد البهاء من قِبَل الذين
تشرفوا بمقابلته، ونسرد هنا على سبيل المثال مقتطفات من بعض هذه المقالات
:
إن حضرة عبد البهاء في أحدى زياراته الى بيروت والأرجح أنها كانت في سنة 1883 اجتمع بالشيخ محمد عبده، " الأستاذ الإمام " وهو من أكابر علماء مصر وسورية وكان فقيهًا نيّرًا منفتحًا على الفكر الديني المتحرر وقد أصبح فيما بعد مفتي الديار المصرية. فكتب الأمير شكيب ارسلان، الكاتب المعروف والأديب المشهور والملقّب بأمير البيان، فصلاً عن الأستاذ الإمام تحت عنوان " نبذة ثانية من سيرته في بيروت " قال فيه:" لم يكن يطرأ على بيروت أحد من معارفه أو من الأعيان المشهورين إلا وقام بسنة السلام عليه وقد يُجله ويحتفي به ولو كان مخالفًا له في العقيدة ولم أجده احتفل بأحد أكثر من احتفاله بعباس أفندي ألبها وكان يكرم في عباس أفندي العلم والفضل والنبل والأخلاق العالية وكان عباس أفندي يقابله بالمثل". (1) وأما محمد رشيد رضا، صاحب مجلة " المنار"
الشهيرة، ففي سياق حديثه مع الشيخ محمد عبده عن البهائية، كتب يقول :
"ثم سألته عن عباس أفندي وقلت أسمع انه بارع في العلم والسياسة وأنه عاقل يرضي كل مجالس. قال: "نعم إن عباس أفندي فوق هذا، انه رجل كبير، هو الرجل الذي يصح إطلاق هذا اللقب ( كبير ) عليه". (2) ومن كبار المصريين الذين أتوا من القاهرة الى
الإسكندرية ليتشرفوا بحضور حضرة عبد البهاء كان العالم الأزهري الشهير الشيخ علي
المؤيد صاحب جريدة "المؤيد" الواسعة الانتشار. فبعد رجوعه الى القاهرة بوقت وجيز
كتب مقالاً ونُشر في "المؤيد" في يوم الأحد، 16 اكتوبر 1910 وعنوانه " الميرزا عباس
أفندي " قال الشيخ علي المؤيد في مقاله:
"وصل الى الاسكندرية ... ميرزا عباس أفندي كبير البهائية في عكا بل مرجعها في العالم أجمع ... وهو شيخ عالم وقور متضلع في العلوم الشرعية ومحيط بتاريخ الاسلام وتقلباته ومذاهبه... واتباعه يحترمونه الى حد العبادة والتقديس ... وكل من جلس اليه يرى رجلاً عظيم الاطلاع حلو الحديث جذابًا للنفوس والارواح يميل بكليته الى مذهب " وحدة الانسان" وهو مذهب في السياسة يقابل مذهب " وحدة الوجود" في الاعتقاد الديني، تدور تعاليمه وارشاداته حول محور ازالة فروق التعصب للدين أو للجنس أو للوطن او لمرفق من مرافق الحياة الدنيوية ". من جملة المقالات التي نشرت، مقالة طويلة
وشيّقة بقلم عبد المسيح الانطاكي صاحب مجلة "العمران"، المطبوعة في القاهرة . نشرت
هذه المقالة في " العمران " بتاريخ شهر حزيران 1922، تحت عنوان " عباس افندي عبد
البهاء ". لمّا يرسم صفات حضرة عبد البهاء، يقول عبد المسيح
الانطاكي:"
"يتدفق البشر والحنان من أساريره وتلوح
الشهامة والنبل على سيماه، بحيث يشعر كل من واجهه بهيبة عظيمة وجلال باهر مع شدة
الذكاء وتوقد الخاطر وحدة الفؤاد – ظاهرة مشرقة من مرآه ومن كلماته وحركاته وقواه
العقلية ومزاياه الادراكية وهبية، عظيم الاخلاص، نقي الضمير ابتسامته تسحر اللب
ويجذب اليه القلوب يمشي بخطى واسعة :انه ملك عظيم أو راع بار في وسط رعيته بل
أسد رابض في عرينه. وبالاختصار فقد كان قويًا مقتدرًا متأنيًا في عمله لطيفًا في
معشره لينًا في خطابه كانه والد حنون في وسط أولاده . حركاته ومقابلاته وقيامه
وجلوسه هي مظاهر القوة والشهامة والحرية والاقتدار فصيح اللسان عذب البيان مطيل
الصمت والتفكير في مواضعه." ويضيف قائلا: "وبالجملة فقد كان عظيمًا
واسع الاطلاع راقي الافكار واقفًا على أفق يطلع من شرفاته العالية على ضعف العالم
ومسكنته وقصوره بأسى شديد وشغف يرفعه الى أسمى درجات الشعور الانساني بغير
جدال".
ما لا شك فيه أن أجمل وأبلغ ما كتب في
العربية عن حضرة عبد البهاء كان بقلم الامير شكيب أرسلان . كتب الامير شكيب
:
..."كان ( عبد البهاء ) آية من آيات الله بما جمع الله فيه معاني النبالة ومنازع الاصالة والمناقب العديدة التي قلّ أن ينال مناله أو يبلغ فيها كماله من كرم عريض وخلق سجيح وشغف بالخير وولوع باسداء المعروف واغاثة الملهوف وتعاهد المساكين بالرفد دون ملل وقضاء حاجات القاصدين دون برم، هذا مع علو النفس، وشغوف الطبع، ومضاء الهمة ونفاذ العزيمة وسرعة الخاطر وسداد المنطق وسعة العلم ووفور الحكمة، وبلاغة العبارة، حتى كان فصاحته صوب الصواب، واقواله فصل الخطاب، وكتاباته الديباج المحبّر، وفصوله الوشى المنمنم، يفيض بيانه جوامع كلم، وتسيل عارضته سيل عارض منسجم، ويود اللبيب لو أقام العمر بمجلسه يجني من زهر أدبه البارع ويرد من منهل حكمته الطيبة المشارع، استولى من المعقول على الأمد الأقصى، وأصبح في الالهيات المثل الأعلى، وبلغ من قوة الحجة واصالة الرأي، وبُعد النظر، الغاية التي تفنى دونها المنى حتى لو قال الانسان انه كان أعجوبة عصره ونادرة دهره، لما كان مُبالغًا ولوحكم أنه كان من الافذاذ الذين قلما يلدهم الدهرالا في الحقب الطوال، لكان قوله سائغًا... وكان عباس أفندي ... ذا وقار في رسوخ الجبال ومهابة يقف عندها الرئبال، وحشمة لا ترى الا في الملوك او في صناديد الرجال، ومع هذا كله كانت مجالس حكمته مطرزة باللطائف، ومحاضر جدّه مهلهلة بالرقائق، وكانت رسائله على كثرتها تتلى وتؤثر، وتحفظ حفظ النفائس في الخزائن وتدخر، ... وكانت له مع العاجز مراسلات متصلة باتصال حبل المودة، وعمران جانب الصداقة، ومرارًا قصدت عكا ولا غرض لي فيها سوى الاستمتاع بأدبه الغض والاغتراف من علمه الجم". (3) ___________________________________________________ 1- تاريخ الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده، تأليف محمد رشيد رضا-القاهرة 1931 ص 407 2- المصدر ذاته، ص 931 3- راجع حاضر العالم الإنساني، تأليف لوثروب ستودراد (الترجمة العربية) المجلد الرابع، القاهرة 1352 هجرية ص 358-359 . وأيضا المجلد الثاني، القاهرة 1351 هجرية )
عبد البهاء في كلمات معاصريه
(الجزء الثاني)
الفصلان التاليان بعنوان انتقال عبد
البهاء عباس ويوم الاربعين لانتقال عبد البهاء عباس هما من كتاب "عبد البهاء
والبهائيّة" ( مطبعة العمران، مصر، 1922، صفحة 141 – 179) بقلم الاستاذ
سليم قبعين، الكاتب والمترجم الفلسطيني المشهور.
انتقال عبد البهاء عباس:
ولد سنة 1844 وتوفي سنة1921
عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف ليلة
الاثنين الموافق 28 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1921 الموافق 28 ربيع أول سنة
1340هـ. لفظ عباس أفندي عبد البهاء النفس الأخير من تلك الحياة المجيدة المليئة
بخالد الاعمال وطيب الافعال. تلك الحياة التي يقرأ القارئ فيها آيات باهرة من المجد
والفضل، والكرم والنبل، والعمل لخير الانسانية واتحاد أبنائها ودعوتهم ليعيشوا
بسلام وطمأنينة – تلك الحياة التي رسمناها في كتابنا هذا رسمًا جليًا ليستضيء بها
كل انسان ويستمد منها نور العرفان بل نور الانسانية الحقيقية التي لم يدرك كنهها
البشر.
وما انفجر صبح الاثنين حتى أذاعت الاسرة
البهائية النشرة الآتية :
أسرة حضرة عبد البهاء عباس خاصة والبهائيون كافة ينعونه اليَكم وقد انتقل البارحة ويشيّع غدًا الساعة التاسعة قبل الظهر من منزله الى داره على طريق جبل الكرمل. وبعد ظهر الاثنين اذاعت الجمعية الاسلامية في
حيفاء نشرة ثانية وهي:
" إنّا لله وإنّا اليه راجعون". الجمعية الاسلامية تنعي بمزيد الأسف وفاة العلامة المفضال والمحسن الكبير"عبد البهاء عباس"، وسيحتفل بجنازته الساعة التاسعة من صباح غد الثلاثاء فالرجاء اعتبار هذه كدعوة خاصة للاحتفال بجنازة الفقيد، تغمده الله برحمته ورضوانه، وألهم آله وذويه الصبر الجميل. وما ذاع هذا النبأ الأسود حتى اصطكت المسامع،
وهمت المدامع، وانحنت الاضالع، وهلعت القلوب، وشقت الجيوب، وشحبت الوجوه فزعًا،
واهتزت الاعصاب جزعًا وما وافت الساعة المضروبة حتى أخذ القوم يتوافدون
زرافات زرافات وفرقًا وجماعات الى داره فضاقت بهم على سعتها واكتظت الشوارع
بالجماهير من علية القوم والوجوه والاعيان على اختلاف النحل والمذاهب والملل وفي
مقدمتهم فخامة المندوب السامي في فلسطين السير هربرت صموئيل ورجال بطانته وقد قدم
القدس خصيصا لتشييع الجنازة ثم جناب حاكم فينيقيا المستر سايمس وقناصل الدول
والرؤساء الروحيون للطوائف الاسلامية والمسيحية والاسرائيليّة وأحاط أفراد أسرته
واتباعه بالنعش وهم يكادون يذوبون حزنًا ويحترقون أسى. ثم حمل نعشه على الاعناق
وكان من الخشب البسيط موشحًا بشال من الكشمير النفيس وسار الموكب يحفه الجلال
وتكتنفه العظمة والوقار على هذا الترتيب:
ثلة من رجال الشرطة بقيادة ضباطها، فيسقجبة قناصل الدول، فالكشافة الاسلامية والمسيحية تتقدمهم موسيقاهم وأعلامهم، فمشائخ الطرق الاسلامية ينشدون الاناشيد المحزنة، فنعش الفقيد، ووراءه فخامة المندوب السامي وبطانته وحاكم المقاطعة وأسرة الفقيد فجمهور لايحصى له عدد. مشهد جنازة
الفقيد
من السهل أن يقال في الوصف أن الطريق
من شارع اللنبي الى سفح جبل الكرمل حيث مقام مدفن الباب عند الساعة التاسعة من صباح
يوم الثلاثاء الموافق 29 تشرين الثاني سنة 1921 كان على طول مداه جسمًا بشريًا
ممتزجًا مندمجًا مائجًا بالاشباح هائجًا بالارواح، أو كأنما كان الطريق على شكله
الرائع الذاهب بالابصار يحكي جسرًا بالغًا في عرضه وطوله من صنوف الخلائق المتراصة
المكتظة، اذ كنت لا ترى ساعتئذ سوى وجوه شاحبة اضطربت من دونها لفرط أسى المشاعر.
فتنوعت ألوانها وجف ماء نضارتها فاعتمدت لهول المصاب في مظهرها على الزوال، واعتصمت
برجاء الفناء في روح الفقيد فرارًا من هذا الظلام، وخلاصًا من هذا الفساد الى
الطمأنينة بالسكون في ظل الحقيقة الخالدة.
جسر من الخلائق يحدّ بحسب الاعتبار الانساني
فضاء من الأرض يمتلىء بركة وسعادة بجسم طاهر في نعش محمول على العنق، الا أن هذا
الجسر على اتساعه وازدحامه لا يسعه أن يحوط نورًا ذاتيًا، فان ظنه ممكنًا من جهة
اداء واجب التكريم وحق التعظيم، فكيف اذًا به اذا شعر بموقفه ازاء سر سار في
الاسماء والصفات. لا شك في أنه يحس أنه جسم صغير محدود ازاء ذاك السر البهائي
الكبير ما لا حدّ له.
لا نعود فنقول في الوصف أنه بعد تلك الوجوه
الشاحبة لبلوغ الأسى كنت تحسّ من الوجدان شواظًا من نار، وتسمع من تهامس الارواح
مناجاة القلق والحيرة، وتصغي الى أفئدة ألهبها الوجل واشتمل عليها التفزّع، بل
يستقي المداد من ماء العيون أجلّ آيات الرثاء كأن أهل ذلك اليوم المشهود كانوا
مأخوذين بشيء بلغ من العظمة أن لا يُسمى ولا يُفسر بأكثر من كونه:
مصاب جليل حيث جلّ مصاب وخطب به ماء العيون خضاب حقًا ان الانسان صغير وحقًا أنه لعظيم وما
الفارق بين المرتبتين إلاّ بقدر ما بين الروحين من مسافة العمل، ولذا لا يغلو من
يقول أن نفس عبد البهاء عباس أفندي قدّر لها قديمًا أن تُشيّع الى عليين، محمولة
على الارواح محوطًة بالافئدة لمكان صاحبها من قلوب جميع البشر في كلتا القارتين
القديمة والحديثة. كان نعش عباس أفندي بحيفاء كأنه نعش الحسين بكربلاء. كان
نعش عبد البهاء يختال في سيره بين بكاء البائسين والمعوزين وبين حنان اليتامى
والأرامل. نور جاء الى الوجود وذهب منه ولكن بعد أن أدى للخالق العظيم ما
عليه هو من الحق العظيم اداء، ولكن وا أسفاه، قد ترك الفضيلة الحقة بعده تندب حظها
وان كان لم يضنّ عليها في حياته بأن جعل لها عمادًا لا يُبلى، وأنشأ لها بعمله
وجهاده واخلاصه مملكة رفيعة الجانب يفنى على عزتها الزمان.
لبث الموكب سائرًا مدة ساعة ونصف بلغ في
نهايتها مكان الضريح، فوضع النعش وسط ساحة فسيحة على منصة عالية أقيمت الى جانب
المقام المؤيد الاركان الشاهق البنيان، فأحاط به فخامة المندوب السامي ورجال معيته
وحاكم فينيقيا والعلماء والرؤساء الروحانيون وجمع كبير من الناس كأن على رؤوسهم
الطير. وقفوا بين تصعيد الزفرات وترديد الحسرات ودقات القلوب وذرف الدموع. ولما أن
التأم عقدهم نهض حضرة الشاب الأديب يوسف أفندي الخطيب وارتجل خطبة أثارت ألأشجان
أهاجت العواطف (ودون سليم قبعين في كتابه نص الخطب والقصائد المدرجة
أدناه).
ولم تنته حفلة الرثاء قبل الساعة الحادية
عشرة، فتقدم فخامة المندوب السامي أمام النعش ورفع قبعته حانيًا هامته متجهًا نحو
بناء مقام الباب، ولحقت به حاشيته وحاكم المقاطعة وأتباعه ثم الوجهاء والاهالي،
والكل آسف على هذا المصاب العظيم والكارثة المفجعة والخسارة الفادحة والفراغ المؤلم
الذي فقدته حيفا في مقدمة ما يليها من الأقطار.
ألأديب يوسف أفندي
الخطيب
"يا معشر العرب والعجم !
ما لي أراكم مجتمعين؟ وعلامَ تتآمرون؟ وبم تفكرون؟ أعلى الموت ولأجل الميت الحي، وفي كل يوم تمر أمامكم قوافل الموتى فلا تأبهون بها؟ على من تبكون؟ أعلى من كان بالامس عظيمًا في
حياته فأصبح اليوم أعظم في مماته؟ أعلى من أجللمتوه بأن يلقب فيلسوفًا أو امامًا –
ان الذي ينتقل الى دار البقاء لا يُبكى عليه. فابكوا على الفضل والأدب. اندبوا
العلم والكرم. ابكوا لاجل أنفسكم لانكم انتم الفاقدون. وما فقيدكم الا راحل كريم من
عالمكم الفاني الى دار الأبد والأزل. ابكوا ساعة لأجل من بكى لاجلكم ثمانين
عامًا!
انظروا يمينًا وشمالاً، شرقًا وغربًا، واصدقوني الخبر، أي فراغ في النبل والوجاهة قد حدث؟ وأي ركن من أركان السلام قد هدم؟ وأي لسان حرّ طلق فصيح قد سكت وصمت؟ أواه! ليس للمصيبة قلب يصدع وعين تدمع، فقد تركتكم شبابًا تبكون شيخًا، وشيوخًا تندبون فتاكم. تبّ المساكين أن الخير فارقهم، تب الايتام ان الأب الشفوق قد بعد عنهم. حبذا لو كان يفتدى السيد عبد البهاء عباس
بالنفوس العالية، لتضحت لأجله، ولكن هو الأجل ولكل أجل كتاب فلا مرد لحكم الله.
ماذا عساني أذكر لكم من مآثر رجل الانسانية وهي أعظم من أن تُذكر، وأكثر من أن
تُعد، فيكفيه أن له في كل قلب أثرًا جليلاً، وفي كل لسان ذكرًا جميلاً، ومن ترك حسن
الاحدوثة والذكر الخالد فهو ليس بميت.
تعزوا آل البهاء بالصبر والسلوان، فليس
بامكان أحد شرقيًا كان أو غربيًا أن يعزيكم إلاّ ويرى نفسه أولى
بالتعزية."
الفاضل ابراهيم أفندي
نصار
"بكيت على الدنيا وقد مات سيدي ومثلي
من يبكي اذا مات سيده
أي علام هذه الصعقات؟ ما هذا النوح والبكاء
ماذا بين الورى؟ أطود هوى أم زلزلت الأرض زلزالها؟ لا هذا ولا ذاك، انما مات عباس
البهاء رجل الفضل العظيم وقد:
خرجوا به ولكل باك حوله صعقات موسى يوم دك الطور فيا للداهية من هول هذا المصاب الاليم، انها
لخسارة وطنية وفاجعة عمومية تتقطع في مثلها أوصال القلوب، وفي مثل هذا الموقف
الرهيب تشق الجيوب فوا حرّ قلباه.
قضى السيد الكبير عباس البهاء، فهوى طود البر
والاحسان، ودوى صدى مصرعه في أرجاء المعمور، فتالمت الانسانية ورددت الالسنة ذكر
مبراته الوافرة، فبكت العيون وهلعت القلوب فوا حسرتاه.
عاش عباس الى ما فوق الثمانين وآية حياته مثل حياة
المرسلين. هذّب وعلّم وأحسن وأغاث وأرشد الى سواء السبيل، فأنال قومه المجد الأثيل
وسيكون جزاءه من ربه ثواب خير المحسنين. أيها الناس، اسمعوا! لم يمت عباس، لا، ولا
انطمس نور البهاء، حاشا. ان شعاعه سيظل نيّرًا الى ما شاء الله- عاش عباس نبراس
البهاء حياة انبعث منها معاني الحياة الأبدية، فتجلت فيها الحياة الروحية، فانتقل
من دنياه الى جنان ربه ملاكًا نقيًا محفوفًا بمبراته الطيبة وصفاته
العزيزة.
أجل قومي – تشيعون رفات الفقيد العظيم الى
مثواه الأخير، انما تيقنوا ان عباسكم سيدوم أبدًا حيًا بينكم روحيًا باعماله
وأقواله وصفاته وفي جميع جوهريات حياته – نودع عباسنا المادي وتغيب مادته عن
انظارنا ولكن عباسنا الحقيقي الروحي سوف لا يفارق عقولنا وافكارنا وقلوبنا، وسوف لا
ينقطع ذكره من أفواهنا.
أيها الراقد العظيم الكريم أنت أحسنت الينا
وأرشدتنا وعلمتنا – عشت بيننا عظيمًا بكل ما تعنيه كلمة العظمة وقد تفاخرنا بأعمالك
وأقوالك – انت رفعت منزلة الشرق الى أعالي ذّروة المجد، قد أصلحت وهذّبت، أتممت
السعي فنلت اكليل المجد. نم سعيدًا تحت ظل رحمة ربك وهو يُجزيك خير
الجزاء.
ويا أغصان شجرة البهاء أتقدم اليكم، أنا
ألاسيف، واسأل ربي أن يهبكم جميل التعزية، ويجعل تعزيتنا نحن وسلواننا بحفظكم
ورعايتكم، وأن يجزي أسرتكم الكريمة جزاء الخير بدلاً من مبراتها الوطنية، انه سميع
مجيب."
حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ محمد مراد
أفندي(مفتي حيفا)
"ان الامم اذا فقدت عظيمًا من عظمائها سواء
كان عظيمًا في علمه، أو عظيمًا في فضله أو عظيمًا في سياسته، أو عظيمًا في مبادئه
ومبراته، فهي تتسلى بأنها لا بد وأن تخرج من بين أبنائها من يخلف ذلك العظيم. ولكن
مصيبة العالم الانساني في هذا الفقيد لا تقاس على غيرها لان الفراغ الذي أحدثه
الراحل الكريم لا يملأه أحد من بني طائفته.
لا أود أن أبالغ في تأبين هذا الرجل العظيم فان أياديه البيضاء في سبيل خدمة الانسانية ومآثره الغّراء في عمل البر والاحسان لا ينكرها إلا من طمس الله على قلبه . كان عبد البهاء عظيمًا في جميع أدواره كان
عصاميًا أبيّ النفس شريف العواطف سامي المبادىء، كان رضيّ الاخلاق حسن السير، اشتهر
ذكره في مشارق الارض ومغاربها، وهو لم يُحرز هذه المرتبة العالية إلاّ بجده
واجتهاده ولم ينل في القلوب تلك المنزلة العالية وذلك المكان الرفيع إلا بمساعدته
للبائس وبإغاثته للملهوف وبتسليته للمصاب.
ك ان رحمه الله واقفًا على دقائق الشريعة الاسلامية. كان عالمًا كبيرًا وأستاذًا نحريرًا. ولئن غاب عن العيون شخصه فان أعماله الخالدة لا تغيب عن الاذهان ولئن مات عباس فان اسمه لا يزول. وأنت أيها الراحل الكريم، عشت عظيمًا ومت
عظيمًا وما هذا المشهد الكبير والموكب المهيب إلاّ برهانًا ساطعًا على عظمتك حيًا
وميتًا. ولكن من للفقير بعدك أيها الفقيد، ومن للجائع الملهوف، بل من للارامل
واليتامى بعد فقد رجل الانسانية – رجل الخير والمعروف.
فنم هنيئًا في مرقدك وثق أن من كانت تلك
مناقبه وهذه خاتمة حياته فأنه حي في أعماله خالد في آثاره، ألهم الله آلك وذويك
الصبر الجميل على هذا الخطب الجسيم وتغمدك برحمته ورضوانه، انه هو السميع
المجيب."
حضرة الاستاذ عبدالله افندي
مخلص
"أرأيتم كيف تغرب الشمس، ويأفل البدر، ويهوى
النجم؟ اسمعتم كيف تُثل العروش، وتُدك الاطواد، وتتغيّر المعالم؟
أشعرتم بما تخلفه مثل هذه المرئيات والمسموعات من عظيم الدهشة وأليم الوحشة وبليغ الرعشة في النفوس والقلوب والاجسام؟ ان كل هذه النوازل ليست بالشيء المذكور اذا
قيست بمصيبتنا الفادحة، وخطبنا الجلل وكارثتنا الكبرى التي يجدر أن نشق عليها
القلوب لا الجيوب، وأن تنفطر دونها المرائر بدل الستائر.
أجل أن شمس العلم قد غربت، وبدر التقى قد
أفل، ونجم المكارم قد هوى وعرش الفضيلة قد ثُلّ، وطود الاحسان قد دُكّ، ومعالم
الهدى قد تغيّرت بانتقال هذا الراحل الكريم من الدار الفانية الى الدار الباقية. لا
أراني بحاجة الى بيان فضل فقيدنا العظيم وفضائله وتعداد مناقبه الغر الميامين،
فكلكم شهود عدول على ما حباه الله من جمال الخُلق وجميل الخَلق وسعة الصدر وزخارة
البحر والكرم الحاتمي. فمن للجائع بعده يطعمه؟ ومن للعاري يكسيه؟ ومن للملهوف
ينجده؟ ومن للضال يهديه؟ ومن للارملة يسعفها؟ ولليتيم يواسيه؟ ومن لرواد العلم
يوردهم منهله الصافي وروضة الأنف؟ بل من للمحافل والمنابر والطروس
والمحابر؟
لقد خلت كلها من علمها الأوحد وبطلها المفرد
وفحلها المعروف وبدرها المشرق، واني أستميح منكم عذرًا اذا لم أحسن القيام بواجب
الوفاء ولم أستطع أن أفي الراحل الكريم ما يستحقه من حُسن الثناء، والوصف الجليل،
والنعت الجميل. فان ما بدر على لساني لم يكن الا نتاج قريحة مقروحة وفؤاد مفؤود.
فهي في الحقيقة كلوم لا كلمات ، وعبرات لا عبارات.
وأنتم أيها السادة البهائيون ليست المصيبة
مصيبتكم وحدكم بل هي مصيبة الاسلام بأسره ونكبة العالمين القديم والحديث. فتعاليم
البهاء المحمدية منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، وأتباعه الكثيرون يرددون معنا هذا
النعي. وكأني بهم اليوم وقد حملت اليهم أسلاك البرق هذا النبأ المريع، قد أصبحوا في
تبارح يبحثون عن الصبر فلا يهتدون اليه، ويتساءلون عن العزاء فلا يقعون عليه
ويفتشون عن السلو فلا يجدون اليه سبيلاً . من أجل ذلك فان الحجاز ومصر والشام، وهي
مهد الاسلام والعتبات العاليات، التي تضم أعظم الرفات، وأرض فارس التي أخرجت هذه
الجوهرة الثمينة والدُّرة الغالية، تشترك مع بيت المقدس في الاسى والحزن على الراحل
الكريم الذي يرقد الآن بسلام في سفح الكرمل، موطن اليشع وايليا واخوانهم من
الانبياء .
أجزل الله لنا ولكم الأجر والثواب وأنالنا واياكم الصبر على هذا المصاب الذي كأنما عناه الشاعر بقوله: تلك مصيبة أنست ما تقدمها وما لها مع طول الدهر نسيان" حضرة فضيلة الشيخ يونس أفندي
الخطيب
حكم الاله بموت عباس
البها
رب التقى والفضل والعرفان
كل الانام بكت وطال نحيبها لفراق من هو عين كل زمان غرس الفضيلة في رياض ملائه فنمت وكان قطوفها متداني فالخلق أجمع شاهد لفضائل ومآثر جازت على كيوان يا آل عباس البها لكم البقا الله باق والخليفة فانى الاب الخوري باسيليوس (رئيس روحي
طائفة الروم الكاثوليك)
قدم كلمة كان مضمونها الثناء على كرامة
وجلالة شيخوخته وعلى بعض أعماله الخيرية للفقراء. (لم يدرج سليم قبعين مضمون
النص)
السيد وديع أفندي
البستاني
لك في النفوس وفي العقول
بقاء فالموت
عندك والحياة سواءُ
والمرء مثلك شيمة وسجية ومزية ما رامهن فناء ولو ان حيًا لا يموت بيومه ما مات آدمنا وحواء والعمر بين اثنين من مهد الى لحد فذا ألف وهذا الياء نقضي وقد يبكون من جزع وفي تلك القلوب تعلّة ورجاء ولئن تكن عبد البهاء بعينهم فبعينهم أيضًا أبوك "بهاء" ضمته عكاء ببهجتها وقد فتحت لقبرك صدرها " حيفاء" عباس يا عبد البهاء بن البها مات الرجال وعاشت الاسماء عباس يا عبد البهاء بن البها نفسي لمثلك في الزمان فداء عباس يا عبد البهاء بن البها انت الحكيم ودونك العلماء عباس يا عبد البهاء بن البها ماذا تقول بيومك الشعراء أشرقت في غرب فلاح صباحه والشرق شرقك والصباح مساء أتراهم ببعيد نورك أبصرو ك ونحن يبهرنا السنا الوضاء عباس يا عبد البهاء بن البها كن ما يشاء الله لا ما شاءوا قد مت في أرض مباركة بها عاش المسيح ومريم العذراء ارض أتاها في سراه محمد أرض ثراها نعمة وثراء أرض نقدسها لنا وطنًا وان جارت ففيها جنة وسماء نحمي حماها لا تهان قبورها وفدى قبور الصالحين دماء ونذود من هذا الضريح ومن به والعهد ود بيننا وولاء الأديب والخطيب الخواجه سلامون
بوزاكلو
(تلي الخطاب باللغة الافرنسية وعربه سليم قبعين) "في عصر انتشر فيه الالحاد وعدم الايمان الا
بما هو حسي مختبر، في عصر انتشرت فيه المادية المطلقة العنان، أنه لعجيب ونادر أن
يوجد فيلسوف باسط الجناح نظير المأسوف عليه عبد البهاء عباس الذي يتكلم مع القلوب
والعواطف ويشرب النفس بتعاليمه ومبادئه المعروفة أحسن أساس لكل ديانة... فقد عُرِف
ببيانه وأقواله ومحادثاته ومباحثاته مع نبغاء العصر المتمسكين بمبادئهم كيف
يقنعهم... أما حياته فكانت مثالاً حيًا للتضحية وتفضيل نفع وسعادة الغير على نفعه
الخاص، وقد أحيت أمامنا أريسطوطاليس وسقراط، فسعداء هم الذين كانوا اليه متقربين
فلقد قرأوا فيه صفحة كبيرة من الفلسفة الدينية والاجتماعية.
منذ أرسطوطاليس الى أيامنا كان الفلاسفة
الذين اتخذوا على عاتقهم تعاليم النفس البشرية يتعصبون بمبادئهم ويتمسكون بكل خير
يعرفونه مرتكزًا على فلسفتهم الخصوصية، والويل لمن يخالفهم.
أما هنا فلا حقد ولا تعصب ولا هوى بل الجميع أخوة، هنا وجدت الانسانية حامي حماها العظيم الذي يجمع أحسن المبادىء الموجودة في كل الديانات ويعلمها وكلنا عليها متفقون... فأنبياء اليهود والمسيحيين والاسلام الذين طلبوا هذه الاخوّة يمدون أيديهم اليوم ويصافحون هذه المبادىء الشريفة مبادىء النبي عباس. فلسفة عباس بسيطة وسهلة ولكنها كبيرة وشاملة،
تنطبق على طبائع البشر تكاد تفقد محاسنها الاوهام والتعصبات، تقولون أيضًا أن
فلسفته غير شخصية لأنه بناها على أغلاط الغير. فكثيرًا ما تظهر لنا المسائل
البسيطة بأحسن المظاهر اذا عرف الاتيان بها في وقتها، كما أن الافكار التي لغاية
شريفة ولو كانت لا قيمة لها تعطى حقها من الاكرام والقوة.
فلسفته مبتكرة ظاهرة وفي عصرنا هذا، المرتكز
على كل ما هو منطقي عقلي راجع الى ما اكتشفه العلم رغمًا من ارتياح عقلنا الى
الاكتشافات والاختراعات والعلوم على اختلافها فالقلوب تنشد السلام
المعزي...
عباس ووالده من قبله قد أخذا على عاتقهما هذه المهمة الجليلة. وبهذه المناسبة نقول أن عاملين كانا دائمًا
يفرقان بين الشرق والغرب فبينما نرى الغرب مهتمًا بكشف اسرار الطبيعة واعلان
المخبآت وانماء العلم بما يصل اليه من العلوم والاكتشافات، نرى الشرق مهبط الانبياء
العظام والمشترعين المبشرين بديانات تروج وتمتد وتملأ القلوب والنفوس تحت سماء
زرقاء رائقة الاديم. فالشرق والغرب اذا يتباريان الأول يعلو بدياناته والثاني
يعلو باختراعاته واكتشافاته وكلا الحالين ضروريان لحياتنا الاجتماعية.
عباس مات في حيفا، في فلسطين الارض المقدسة
التي ظهر فيها الانبياء منذ أجيال وأجيال وقد مثلت اليوم دورها من جديد. ونحن
لسنا الوحيدين الباكين الفقيد، المفتخرين به، بل هنالك في أوروبا وأميركا وفي كل
العالم المتعطش الى مثل المبادىء الاجتماعية الداعية الى الاخوّة، يبكون
عباسًا.
مات عباس بعد أن لاقى الامرّين في عكا،
باستيل تركيا، وكانت له سجنًا مدة لا تقل عن العشر سنوات، وبغداد عاصمة العباسيين
شهدت أيضًا سجنه وسجن والده، أما بلاد الفرس المهد القديم للفلسفة العذبة الالهية
فقد نبذت أولادها.
ألا يُرى في هذه الامور حكمة ربانية تختص بها
الاراضي المقدسة التي كانت وستكون دومًا منبع الافكار السامية؟
فالذي ترك بعده ماضي فخر ومجد، لم يمت. الذي كتب وعلّم مثل هذه المبادىء الشريفة قد أعلى مقام عشيرته بين الامم وانتقل الى السعادة المكللة بالخلود..." صاحب الفضيلة العالم العلامة الشيخ
أسعد أفندي شقير
"عوّل العرب في جاهليتهم واسلاميتهم على
الرثاء والتأبين، ولم يكن ذلك منهم الا عن جملة مقاصد منها وعظ الحاضرين المستمعين
وايقاظهم، وقد أشار الى ذلك خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بقوله: كفى بالموت
واعظًا ’يا عمر‘. ومنها تشويق المستمعين الى التخلق بالاخلاق الحسنة والاعمال
الطيبة اقتفاء لاثر المرثي، ومنها تطييب ورثته وشيعته بذكر مفاخر عميدهم، فتعطف
القلوب عليهم، ويخفف عنهم شيء من الم المصيبة، ومنها ما يراه كل مفكر ومعتبر بمقتضى
مسلكه ونقطة نظره.
وليعلم الحاضرون ان كل مخلوق يسرح ويمرح في
هذا العالم ويفكر ويدبر ويظهر ويضمر ويتصرف اختيارًا ويتحرى لظهور كماله مرارًا
بأذن من خالقه وعناية منه جلّ وعلا، حتى اذا جاء الوقت المعلوم تجلى عليه خالقه
بصفة القهر فأصبح لا يملك لنفسه ضررًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا،
ولهذ خاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في القرأن الكريم بقوله: (وهو القاهر فوق
عباده).
اني ليحزنني الرثاء والتأبين لأن التجلي
القهري مانع لي من الاسترسال فيه، الا أن السيد عباس البهائي معدود من العكاويين
لانهم عاشوا معه أكثر من أربعين سنة. كانت مجالسه فيها مجالس علم يتكلم فيها بتفسير
الآيات القرآنية والاحاديث النبوية ويجمع بفلسفته وتدقيقه بين آراء المفسرين
والمحدثين وبين آراء العلماء العصريين والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، وله صدقات
متوالية على الارامل والايتام والمساكين. وكان اذا مات صديق لا ينسى آله وورثته من
البر والاحسان. وكان له جاه عظيم لا يبخل به على كل مستغيث به. وكان في موسم الشتاء
يجتمع مع علماء المدينة وكبارها في منزل استاذنا الكبير الشيخ علي ميري، نوّر الله
مرقده، وفي فصل الصيف يكون الاجتماع في عرصة حول منزله الكائن بمحلة الفاخورة. وفي
هذين الاجتماعين لا يجد الجالس فيهما غير كتاب من تاريخ أو تفسير او فلسفة أو رسالة
في أوراق الحوادث مختصة بالمباحث العلمية أو الفنية. ثم اتخذ حيفا مقرًا له وسافر
الى أوروبا فأميركا ونشر فيها وعظًا ونصحًا وخطبًا حافلة بليغة يريد بها التأليف
بين أرباب الاديان والمذاهب، وازالة الجدال العنيف من افئدتهم وألسنتهم، وتحريضهم
على التمسك بالجوهر، والاعراض عن الفروع والعوارض، وكان ذلك بالاساليب العلمية
الخاصة بمسلكه. وقد انتقده واعترض عليه جماعة من الفارسيين وغيرهم، ونددوا بمسلكه
وآرائه بمدونات ورسائل طبعوها ونشروها، ومع ذلك فقد كان مُجِدًا في السير غير مهتم
ولا مكترث بانتقادهم واعتراضهم، ولا متألم من عداوتهم وبغضهم، على أن كل ذي مبدأ لا
يخلو من موافق مادح، ومخالف قادح، سُنّة الله في خلقه ولن تجد لسنّة الله
تبديلاً.
انّا أُذكّر الناس بقوله صلى الله عليه
وسلم،(اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد
يدعو له). والسيد العباس نشر علومه في الغرب نشرًا واضحًا، وأظن أنه كان يلاحظ هذا
المقصد المصرّح به في الحديث النبوي وقد وفى وظيفته وما فوقها أيضًا في هذا العالم،
وذهب الى ربه فلا محل للبكاء والنوح عليه ولأهله وشيعته ومحبيه أن يشنفوا الاسماع
بذكر فضائله ومناقبه."
محمود "افندي" لطفي
الصفدي
"هو الحي الباقي في ليلة الاثنين قد فتح
السما
وسرت لها روح البها ببهائها
صفت لها كل الملائكة التي فيها وقام الانبيا بولائها وتزينت تلك الطباق لروحه حيث استحال لها فكان ضيائها يا طالما حسدت عليه الارض من عهد الخليقة ثم زاد بكائها الله أكبر يا سموات لقد بردت غلا كان فيه روائها مهلاً فان الارض قد ضمت له ناسوت قدس لا يزال بهائها من كوثر الفردوس كان غسيله وهو المطهر أودعته حشائها ومشت له كل الانام بخشية حتى الملوك ولاتها وزرائها يا كرملا أصبحت تنتطح السما فخرًا وصرت اليوم من عظمائها أصبحت فوق الشامخات مكانة وغدوت أشرف بقعة ارجائها عبد البها عباس أوحشت الالى أحييت علتهم وكنت دوائها فلأبكينك ما حييت بادمع يا طالما مسحت يداك بكائها ولئن بكتك الخلق جازلها البكا فقدوا بفقدك بدرها وذكائها بالغيب كم حللت كل قضية حارت بها البلغاء مع علمائها ولآدم ننعيك أم لنوح وهل ننعي الى موسى الكليم بلائها أم ننعي للروح القدس أم الى طه الامين لكي يقيموا عزائها الله أكبر كلهم فوق السما هتفوا لروحك راجيين لقائها هذا مقام جاز عن حد الصف ات وحاز ما لا ينبغي لسوائها ولو استطيع نظمت من درر النجوم ثنا على آل البها وعلائها" ___________________________________________________ يوم الاربعين لانتقال عبد البهاء
عباس
يحتوي هذا القسم مضمون ما دونه ونقله سليم
فبعين في كتابه "عبد البهاء والبهائية" في الفصل المتعلق بمرور اربعين يوم على وفاة
حضرة عبد البهاء
مفسر آي الله بالامس
بيننا قم اليوم
فسر للورى آية الموت
هو الدهر ميلاد فشغل فمأتم وكل عزاء أو هناء الى فوت أربعون ليلة على وفاة عبد البهاء، منظم
المذهب البهائي، وناشر لوائه في العالمين، بل الغصن الاعظم لمذهب الفضيلة الوضاء في
الوجود. كان بعض تلك الليالي الاربعين كافٍ لاندلاع لسان الفاجعة البهائية العظمى
الى أعماق القلوب بما يذكيها من حرارة الحزن على بدر الليلة البشرية الليلاء، من
كان يسترشد به الضال، وينظر بنوره الاعمى، ويرى فيه العالم الانساني المثل الاعلى
لخير البشرية وسعادة الخاتمة.
في ضحى يوم الاربعين المشهود الموافق يوم
الجمعة 6 يناير سنة 1922 بدأ ينسلّ من أطراف العالم أهله حاجّين الى عرفات حيفاء
حيث دار عبد البهاء، بيت البهائيين على الاطلاق، ومبعث شمس البهاء الى الوجود،
يشاطرون أهل بيت الفقيد الاعظم واجب العزاء نحو كبرى مأساة تفزّع لها قلب الدهر،
وتهدم لوقعها أمنع ركن كان للفضيلة سندًا، وأرفع حصن كان للانسانية
ملاذًا.
انبرى في مجال التأبين من فطاحل الادب، وفحول
البلاغة ومالكي أعنة النظم والنثر وأعلام الفصاحة والبيان، الخطباء الذين لم يذروا
قولاً من بعدهم لقائل، وان كانت صفات الفقيد ينتهي دون وصفها وتقديرها أروع ما تنجب
البلاغة وأعز ما تلد الفصاحة.
فان صح أن تكون هديّة التأبين على قدر مهديه، فهيهات أن يبلغ ذلك وأضعافه من قدر المهدى اليه أمام البهائيين وفقيد العالمين. ان مبادىء الديانة البهائية هي قبضة من
نورالسماء، قد أتيح لعبد البهاء أن يقبضها باذن ربه اذ نشرها على الخلائق عبيرًا
تستنشق منه الأنفس، فتنتعش الارواح، اذ تثبت العقائد على اليقين، وترسخ على
التوحيد، فتتجلى في خشوعها وانثنائها أمام هيبة الخالق الصمدية. وهل عرف من قبل حصن
عزيز للفضيلة فوق هذه العقيدة البهائية؟
مذهب البهاء يدعو بحق الى توحيد الاديان
باستئصال شأفة الخلافات، ما دام ان مصدرها جميعًا واحد هو الله. وهي نظرية صحيحة
ملموسة يُقّرها العقل اذ لا منافاة بين الدين والعقل، كما يتوهم البعض، بعد ان قال
سبحانه انه بالعقل عُرِف.
فاذا ما توحدت الاديان وانقطع دابر الخلاف
كما قدمنا، بادت الشرور النفسية واستؤصلت المناظرات الجنسية، وتلاشت الاحقاد
البشرية، ومد السلام يد الاخوّة الى العالم، وصارت النتيجة المعقولة الواقعة، أن
يستغنى عما تؤدي اليه الاغراض الماحقة والمطامع الساحقة، بمحكمة دولية من جميع
الاجناس، تباشر شؤون جميع الاجناس. والادراك الجامد الذي يرى استحالة هذه الوحدة
أولى به أن يلين فيسيغ تحقيقها رحمة بالخلق وتخليصًا لهم من التهلكة.
فالحقيقة المشرقة التي لبث يفتش عنها عبد البهاء جلّ حياته، وجدها بحق في توحيد الاديان مدللاً على رأيه الروحاني الناضج بأن الاديان ما جاءت الا لسعادة البشر، ولم تكن أبدًا لشقائه، وهي لا تكون كذلك على التحقيق الا بالوحدة، كما يعرضه المذهب البهائي الساطع. قد يجوز أن يظن بعضهم أن مذهب البهاء الرائع
جاء على صحته وصدقه سابقًا لأوانه، وهذا معناه ان المذهب يقابل باساسه المكين
وأحكامه العالية السعادة وجهًا لوجه، وان العالم البشري لم ينته بعد من شروره فهو
لا يزال في حاجة لزمن يكفيه للتطهير من تلك المفاسد. وهذا القول يعد شهادة قاطعة
واعترافًا بينًا بسمو مذهب عبد البهاء وتنزهه عن أُقل ما يصيب غيره من المذاهب من
شائبة الاعتقاد أو شبهة العقيدة.
هذا هو فقيد العالمين العباس، فهو الآن في
ذمة الله بجوار ربه. وأما عن مآثره وآثاره في هذا العالم الدنيوي فاقرأ له أنقى
صحيفة في الوجود، منقوشة على قلوب أهله بيد التاريخ الديني والأدبي معًا، واعلم ان
الفضيلة لتناجي ربها بنفس الفقيد أبد الآبدين.
وعندما انتظم عقد المدعوين ضاقت بهم دار
الفقيد على رحبها وسعتها وكان في مقدمتهم حاكم المقاطعة الانكليزي وكبار موظفي
الحكومة وقناصل الدول والرؤساء الروحيون ووجوه البلاد وأعيانها وشعراؤها وأدباؤها
ومحاموها، ما رأت حيفا وغيرها من البلاد الشرقية حفلة فخمة مثل هذه ثم مدّت للجمع
الموائد الفاخرة الحاوية ألذ وأشهى ما طهاه الطهاة، وكانت على جانب عظيم من حسن
التنسيق وسلامة الذوق. جلس على تلك المؤائد ما ينيف عن ستمائة مدعو ووضعت في مكان
آخر مائدة أخرى جلس عليها ما يزيد على مائة وخمسين فقيرًا تناولوا أفخر الاطعمة
وأشهاها.
بعد أن فرغ المدعوون من تناول الطعام قصدوا
قاعة شاسعة الاطراف مترامية الاكناف أقيمت في صدرها منصة للخطابة يعلوها رسم الفقيد
الكريم. وعند الساعة الثانية تمامًا وقف حضرة اللوذعي الاديب والالمعي الاريب
صديقنا السيد عبد الله أفندي مخلص وافتتح الحفلة قائلا:
الاديب السيد عبد الله "أفندي"
مخلص
"لقد غشينا هذه الدار التي كانت محج الفضلاء
ومصدر الفضائل أكثر من مرة، فكنا نجدها زاهية زاهرة، تتعطر أرجاؤها بما يتضوع من
أريج أزهارها، وتغرد أطيارها على باسقات أشجارها، ويترقرق في وجوه أحيائها ماء
الحياة ونضرة العيش، فما بالنا نلقاها اليوم خاوية العروش، كاسفة البال، عابسة
الوجه، أكمدت أزهارها، وتناثرت أوراقها، وسكتت أطيارها، وغشيها من الهم ما غشيها،
فتساوى فيها الجماد والنبات والاحياء !!
لقد تناولنا الطعام غير مرة على هذه المائدة
الحاتمية، فكنّا نأكل طعامها سائغًا، ونشرب كأسها دهاقًا، فما بالنا نغص اليوم بكل
لقمة ونشرق بكل جرعة؟ لقد ضمنا هذا السقف تحته في جملة مجالس علم وأدب. كانت
مجالي الانس والطرب تتعاطى فيها الاصوات ويكثر فيها اللجاج والحجاج، فما بالنا لا
ننبس اليوم ببنت شفة كأن على رؤوسنا الطير؟ وقد انقلب ذلك الفرح ترحًا والسرور
كدرًا والحوار سكونًا وسكوتًا!
ألئن الدهر أناخ بكلكله، وداهمها الويل بخيله
ورجله، أو أحاطت بها الارزاء من كل جانب؟
لا هذا ولاذاك، بل لان رب هذه الدار وسرها الساري وروحها وريحانها العباس قد فارق هذا العالم الفاني، فوقفت حركتها وتغيرت سحنتها. لقد عاصرناه وعاشرناه عشرات من الاعوام دون
أن يعترونا السأم أو يتولانا الملل، بل كنا نضن بلحظة نقضيها دون أن يكون لنا من
ارشاده نصيب، فلم ندر كيف تصرمت السنون. فما بال أيامنا تطول، وصبرنا يقصر، واسفنا
يزدا، واحتمالنا يقل، في حين لم يمض على انتقاله أربعون يومًا ختمت بهذا اليوم
الازهر وليلة العزاء؟
لقد خبرناه وبلوناه كل هذه المدة، فلم نر فيه
الا المذل للدنيا بادباره عنها، المعز للآخرة باقباله عليها، الحامل راية العلم،
الناقل آيات التوحيد، الداعي لمعرفة الله، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر،
المؤيد لاركان الاسلام، الساعي لاقامة الوئام مقام الخصام.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:(لو كان العلم
في الثريا لتناوله رجال من فارس) ولقد صدق فيما قاله، فان الاسلام أكثر من دوّن
فرضه وسنته وفقهه وحديثه بل ولغته وآدابه هم رجال فارس الذين كان فقيدنا العزيز
خاتمهم على التحقيق.
ولذلك يشترك اليوم في حفل تأبينه العربي والاعجمي والشرقي والغربي والمسلم والمسيحي، لأن فقده كان رزء العالمين فبكاه أهل المشرقين والمغربين. ومع أن مصيبتنا من أجلّ المصائب، فان فيها ما
يحملنا على الصبر والتأسي، فان ربع الفقيد ولله الحمد لم يصفر وفي بقاء أسرته أعظم
عوض لنا."
سعادة حاكم حيفا
(قدم الخطاب باللغة الانكليزية وعربه سليم قبعين) "كلفني فخامة المندوب السامي بأن أنوب عنه
بابداء أسفه الشديد لعدم تمكنه من الحضور معنا في هذا النهار واشتراكه معنا بسبب
تغيبه الوقتي عن فلسطين .
كذلك السكرتير المدني السير ديدس قد أعرب عن
عظيم أسفه لاضطراره البقاء في القدس بسبب تراكم الاعمال وقد عهد اليّ جنابهما ان
أقرئكم تحياتهما وأعبر عن شعورهما العميق واشتراكهما بالعواطف مع أقارب الفقيد
العظيم الذي اجتمعنا لاكرامه.
واني لعلى ثقة تامة بأننا نحن المجتمعون هنا نعرف السير عبد البهاء عباس معرفة تامة ونتصور شخصه الجليل سائر سير المفكر في شوارعنا كما نتصور رقته ودماثة أخلاقه ولطفه ومحبته للأولاد الصغار والازهار، كما نتصور أيضًا كرمه وعنايته بالفقراء وعطفه على البائسين والمنكوبين. ولقد كان على جانب كبير من اللطف والدعة
والبساطة لدرجة فائقة ينسى منها جليسه انه كان مرشدًا عظيمًا، وان كتاباته وأحاديثه
كانت موضوع تعزية والهام لمئات وألوف من أهالي الشرق والغرب.
أما تعاليمه فيمكن النظر اليها من وجهات
متعددة، فالبعض يعتبرونها مجرد اثبات للعقائد التي بنيت عليها كل التعاليم الدينية،
والبعض يقولون انها جاءت سابقة لاوانها ومما لا يمكن العمل به، ولكن الكل متفقون في
تقدير جمال معتقده السامي ويسلمون بدون جدل انه اذا تم السير على عقيدة الاخاء
العام فان هذا العالم يكون أفضل وأسعد مما هو الآن.
أما نحن الذين خرجنا حديثًا من أشد الحروب في تاريخ البشر وعقولنا وحياتنا ما زالت مضطربة، فان كلمات السلام وحُسن النيّة تكاد تكون غريبة على مسامعنا ونجد صعوبة في قبولها والسير بموجبها، ولكن في كل مكان رجالاً من أمم مختلفة ومذاهب متباينة يصرحون بشدة لزوم السلام. ان ضمائر وتصورات الناس قد زاغت واضطربت غير ان هناك رجاءً عامًا بان المصالح المتفاوتة لاسباب سوء التفاهم التي توجد النزاع والبغضاء ستزول الواحدة تلو ألاخرى وتتوثق بعدها بين جميع الامم عرى علاقات وحسن تفاهم الاديان وبين الجماعات وبين الافراد. وحينما تحل تلك الازمنة المباركة نؤكد ان هذا
الشيخ الجليل الذي عاش بيننا هنا في حيفا سيخلد ذكره بالثناء الخالد ويعرف العالم
قدره."
حضرة الشاعر السيد وديع
البستاني
"فلسطين تدري ما
دهاها
وتعلم
ولكن بها عي ّ فما تتكلم
كأني بها الخنساء من بعد صخرها كأني بها قلب كأني لها فم وقد ألهمتني أرضها وسماؤها وما الشعر إلا ما أحس وألهم ومالي ونثر الدمع درًا على الثرى وعقد الدراري في الثريا منظم وعبد البهاء لم يحجب الموت نوره وعباس في أفق البها يتبسم أحيي ذويه ما بكوا وتفجعوا وقاموا بيوم الاربعين وأولموا كأني بهم والفجر لاح تسحروا فصاموا وصلوا بعد هذا وسلموا وقالوا بهائي وما ذا يضيره وقد هام فيه عيسويّ ومسلم سلوا الغرب عنه فهو في الشرق سيد عليّ عظيم وهو في الغرب أعظم سلوا عنه غليومًا سلوا عنه قيصرًا سلوها عروشًا بالملوك تهدم وأين أساطين الورى ودهاته سلوهم يحاروا في الجواب ويفحموا سلوهم لماذا قامت الحرب عندكم وعلمكم سلمًا فلم تتعلموا أشاق نساء من بعول ترمل وشاق بنات أو بنين تيّتم وما بالكم والعلم للحين يبتغي بغيّتم به شرًا أم الجهل أسلم أتلكم غواصاتكم أم أبالس تسيرها في البحر وهو جهنم وتلكم طيارتكم أم عفارت تحلق في الافلاك بالنار ترجم وقتلى بني الانسان للحوت مأكل وللطير قوت في الفلاة ومطعم وهل لصليب أم هلال مقالة وملفوظ أفواه البنادق دمدم ضرائب تجبى للمعدات بعدها اعانات جرحى – بئس سيف ومرهم تبدّى لكم وجه السلام فلم يرق وراقكم للحرب وجه ملثم فأنتم عليكم قد جنيتم جناية وأنتم علينا قد جنيتم وأنتم وقد مات عباس ولم ير ما جرى ويا ليت كل الناس عما جرى عموا وقالوا نصوغ السيف والرمح منجلا وما صدقوا والمنجل اليوم يجذم وتلك خلايا النحل لا عسل بها ولكن رصاص في الخلايا مكتم أعباس من يهديهم من ضلالهم وقد خبطوا العشواء والليل أدهم أعباس من للناس والظلم شيمة ومن لضعيف بينهم يتظلم لنا الله قيوم اليه أمورنا يرد فيقضي ما يشاء ويحكم وما ضر أرضًا خيل فيها كأنما تضرج عيسى أن يخضبها الدم على أنها أم السلام وانها لأمثالها _ ام تحن وترأم تحب بنيها الخلّص الحب كله وفيهم تشقى ما تشاء وتنعم ويا حبذا ذكرى فتى السلم بيننا ويا حبذا عهد بذكراه يبرم ويا حبذا الانصاف والعدل سنة نسير عليها علنا نتقدم فيا ذاكري عباس أقواله اذكروا ويا ذاكري عباس أفكاره افهموا سلامًا سلامًا بئست الحرب بعده فحيوا سلامًا والسلام عليكم حضرة الكاتب الاديب يوسف أفندي
الخطيب
"عباس ... عباس ...
يخيل الي بأني مهما اجلت الفكر فلن أجد سبيلاً الى التعبير عما يكّنه الضمير، كما وأنه مهما تعمد القول أي شاعر أو خطيب فهيهات هيهات أن يفصح عما ينطق به سكوتكم وخشوعكم، لعمري، كل هذا يجعلني أعتقد اعتقادًا جازمًا بأن صاحب الذكرى بعد أن أقام في هذا العالم ثمانين عامًا واعظًا بلسانه مرشدًا بقلمه قدوة صالحة في جليل أعماله، قد اختار أخيرًا الوعظ والارشاد بالسكون والسكوت، ولهذا وجب تأبينه اليوم بالتأمل والتفكر. ولكني أبكيتكم بالامس أمام منزله الكريم فقد
وجب عليّ اليوم أن أدعوكم الى تناسي الاحزان، وأسألكم أن تحفظوا من زفرات الضلوع
وتكفكفوا تلك الدموع. نعم ان السير عباس قد بعُد عنّا بجسمه ولكنه حيّ بمآثره
الخالدة وأعماله المجيدة. ان رحل فقد ترك لنا من بنات أفكاره السامية عظات بينات،
ومن تعاليمه القويمة آيات وعظات، ومن حسناته الوافرة أحسن المبرات، ومن حياته
النفيسة أمثلة عالية في علو الهمة وقوة الارادة والصبر والثبات، الى غير ذلك من
مكارم الاخلاق وأسمى الصفات.
من الناس أيها السادة، من يحيون بين ملذاتهم، ومنهم من يعيشون في نفوس أُسَرِهم ومواطنيهم وبني جنسهم أو أبناء دينهم. أما فقيد فلسطين، فقد عاش وسيعيش في نفوس الشرقيين والغربيين في العالم القديم والجديد. أجل، سيردد اسمه على ممر الليالي وكرّ الايام ملايين من بني الانسان، لا فرق في ذلك بين عربي واعجمي، فان كان ثمة من يجحد فضل الفقيد وينكر مكانته ويتناسى جميله فليذكر أن عباس البهاء كان محبًا ولوعًا ومجاهدًا كبيرًا لاحياء الجامعة الانسانية العامة، التي ترتكز وتعتمد عليها الجوامع الاهلية والقومية والجنسية واللغوية والدينية. فهو الذي أبلى بلاءً حسنًا في ضرورة تحويل السجون الى دور الفنون، وساحات الحروب والاحزاب الى ميادين العمل والصواب. أما وقد علمنا رحلته عنّا أن تحقيق غاياته السامية في هذا العالم الظالم أهله ضرب من المحال، فقد وجب على الناسك في دينه والوطني في وطنه واللغوي في لغته أن يقول، وارحمتا عباس واشقاء الانسان الضعيف من أخيه القوي، الهي، الرحمة نلتمس فذلك أعظم العزاء والهناء ثم الهناء لعبد البهاء." الدكتور قيصر
خوري
نجوى العباس-مرفوعة الى أسرة عبد البهاء خاصة والبهائيين عامة "يا روح عباس
البهاء
سلام
لك عندنا بعد الحياة ذمام
حومي علينا من علائك واسطعي واجلي المكان ففي المكان ظلام أو فاهبطي من حالق وترأسي تذكار يوم الاربعين يقام فبعاد عباس فراغ هائل هيهات أن يملى الفراغ امام لك في الخلود مكانة علوية وبدارك الاسمى هناك مقام ومزارك الزاهي يلأليء نوره في العالمين تؤمه الاقوام ومحلك الاعلى يجلله البها فبها كما لعالمين سلام عباس فخر الشرق في جيل
به
زهت العلوم وزالت الاوهام
بلغت به العلياء أرفع منزل وتسابقت للقائه الاعلام وهلاله في أفق فارس قد بدا فتلألأت من نوره الافهام وتعددت أبراجه حتى انتهى في أفقنا والبدر فيه تمام خرّت له الاقوام صاغرة كما شغفوا بتعليم البهاء وهاموا ومشى تحفّ به المهابة
والتقى
تعنو العظام له ويعنو الهام
وأقام بين ربوعنا فبلادنا تفدى بها الارواح والاجسام يا أسرة العباس لا تبكي
على
عبد البهاء ان البكاء حرام
من كان للعباس في أيامه لا شك تحيي ذكره الايام واذا بكى الاصحاب عباس البها حق فأن بكاءهم اكرام فلتبكه وليبكه ابناؤنا ولتبكه حيفاء والايتام عباس كان أبا الجميع فكلنا نبكيك يا عباس يا مقدام لك في المشارق والمغارب منزل عال وفي كل القلوب مقام وبرأس حيفا الجميلة مضجع وبذمة العرب الكرام ذمام" حضرة الكاتب الاديب أحمد أفندي
الامام
"صوت لفظته طهران فردده العراق، ودوى في بلاد
الروم وحنت اليه فلسطين ففتحت له صدرها، فنما وكبر وامتد صداه الى مصر، فجاز البحار
الى الغرب فالعالم الجديد.
صوت خرج ليدعو العالم الى المحبة والاتحاد والسلام صوت لو لم يكن مصدره حُسن النيّة لما انتشر في العالمين وسرى فيهما سريان الكهرباء. وما الفضل في بث هذه التعاليم ونشرها بين
العالمين الا لصاحب هذا البيت الشريف الذي يحتفل بتأبينه هذا الجمع الحزين .
ليس الموقف بالمساعد للبحث في مذهب الفقيد وتعاليمه لاننا اجتمعنا هنا لتعداد مناقب المُحتفل به وذكر مزاياه الحميدة. متى ذكرنا العباس فانما نذكر علو الهمة ومضاء العزيمة، نذكر سلامة القلب وحسن السريرة، نذكر الذكاء الخارق والنبوغ الشرقي. أجل، اذا ذكرنا عبد البهاء فانما نذكر
الاخلاق الفاضلة والمبادىء السامية والعواطف الشريفة، نذكره لأنه كان محبًا للفقير
كمحبته للامير، نذكره لأنه كان يؤانس الكبير والصغير، نذكره لأنه كان يعطف على
اليتيم ويؤاسي البائس والغريب.
الا وان من كانت هذه مناقبه الغر، لجدير بأن يحتفل بتأبينه ورثاه. أفلا يحق للاردن أن يتدفق حزنًا، ولبردى والنيل أن يسيلا دمًا، ولدجلة والفرات أن يفورا أسى، ولبني السين والتاميز أن تشق جيوبهم، ولابناء مسيسبي والامازون أن تمزق قلوبهم هلعًا وأسفًا على فقد من قام يدعو الناس الى التساهل والتآخي والوئام، ليعيش هذا العالم في راحة وأمان وسلام؟ ولئن بكاء بني الانسان فيما وراء البحار
وفيما وراء الانهار فما ذلك الا ليوفوه قسطه من النيّات الحسنة والاعمال
الصالحة.
ولئن رثاه المشرقان وانتحب عليه المغربان فليس ذلك ألا اعترافًا بفضل نابغة العصر الذي عاش عزيزًا ومات كريمًا شريفًا. به يعزي بنو الشرقيين في
حزن
له جميع بني الغربين مكتئب
وأنت يا روح عبد البهاء، نحن لا نظن أن
فقيدنا الكبير خشي الموت أو هابه، فليس والله للموت من زعجة اذا كانت الحياة فاضلة،
وان من كانت هذه مناقبه وتلك آثاره وفضائله لا يموت ذكره بين العالمين، بل يخلد
اسمه الى يوم الدين.
فسلام عليك يا روح الفقيد الزكيًة، ورحمة الله تهطل على جثمانك. وعزاء بني الانسان وصبرًا على الخطب الجسيم
وتشبهًا بحياة الراحل الكريم الذي قضى وهو يقول:
انما المرء حديث
بعده
فكن حديثًا حسنًا لمن روى"
حضرة الكاتب الاديب محمود "أفندي"
محمد الحبال
"أيها السادة:
كلكم تعلمون ما كان عليه فقيدنا الاعظم من طهارة الاخلاق والصفات الكمالية وحُسن السيرة التي قلّ أن يضارعه بها مضارع الا وهو: السيد عباس افندي البهائي أعلى الله منزلته في فراديس الجنان لأنه قد عاش بينكم نصف قرن وهي مدة كافية لحسن الاختبار، وبما ان لي معه صداقة صميمة قديمة يمتد زمنها أكثر من ثلاثين سنة، أريد أن أذكر عنه جملة صالحة في هذا المحفل المهيب على سبيل التذكار والتآسي فأقول: كانت صفات فقيدنا الكمالية أكثر من أن تحصى وأوفر من أن تستقصى، كيف لا وقد كان شمس عصره، ووحيد دهره؟ فضله ظاهر، واحسانه متظاهر، لا يتغالى بنفسه، ولا يتعالى على أبناء جنسه وأهل أنسه، كان يستدل بأسارير الوجوه على أسرار القلوب، يرى بأول رأيه آخر الامور، ويهتك من مبهماتهما ظلم الستور. يستنبط دفائن القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب. وكان بماله متبرعًا، وعن مال غيره ورعًا. وكانت يده فوق أكف الفقراء، وتحت شفاه الاغنياء. فاعترف الاعداء بفضله، واغترف الاولياء من بحره. ومما يُذكر له بمزيد الفخر أنه ’كان أوفى من
السموأل.‘ وبيان ذلك هو أنه من مدة ثلاثين سنة تقريبًا، أُبعد الى عكاء أحد أشراف
صنعاء اليمن واسمه عبدالله باشا الضلعي اليمني، وبعد مدة مرض ولما يئس من حياته
استدعى اليه السيد عباس أفندي وسلمه مبلغًا جسيمًا من النقود قدره سبعون ألف قرش،
وأوصاه بأنه ان أبل من مرضه أن يرده اليه، وان هو مات فلينفق منه خمسة آلاف قرش على
تجهيزه ودفنه، ويرسل الباقي الى ابنته خارج صنعاء اليمن، وذكر له اسمها ومحل
اقامتها، ولم يكن له وارث غيرها. فما كان من السيد عباس الا انه امتنع من تسلم ذلك
المبلغ بصورة سريّة كما أحب صاحبه، فخرج من عنده ثم عاد اليه فورًا ومعه شاهدان
وتسلم المبلغ بحضورهما، وحرر به سندًا على نفسه، وأَشَهدَ على ذلك. وبعدها توفي
صاحب تلك الامانة فجهزه فقيدنا المحسن الكبير ودفنه، وأنفق عليه من ماله الخاص
مبلغًا أكثر مما أوصى به، وأيضًا كان للمتوفي عند الحكومة عشرة آلاف قرش معاشه
شهرين، فقبضها السيد عباس بعد مشقة عظيمة وأضافها على تلك الامانة فبلغت ثمانين
ألفًا، وأرسلها بأجمعها الى ابنة المتوفي مع رسول مخصوص استأجره من ماله الخاص
بمايتين وخمسين ليرة عثمانية ذهبًا، فأوصلها الرسول الى صاحبتها بعد مشقة كبيرة، ثم
عاد الى عكا وسلم فقيدنا شهادة من المحكمة الشرعية في صنعاء اليمن ومضبطة من مجلس
ادارتها وبلديتها ناطقة بوصول ذلك المبلغ الى وارثه الشرعي. وهذه من بعض صفات
فقيدنا ذلك المحسن الكبير والوفي الذي ليس له نظير، فلا بدع اذا قلنا أنه كان ’أوفى
من السموأل‘.
ومن جملة صفاته الكمالية وأخلاقه الرضية أنه
كان يُحسن لمن أساء اليه، وهم كثيرون ومن جملتهم أحد كبار مأموري حكومة عكا قديمًا،
فأنه كان يسيء الى فقيدنا كل الاساءة ظلمًا وعدوانًا، وكان يُحسن اليه كل الاحسان
لا طمعًا بخيره، ولا خوفًا من شره، بل مجاراة لخلقه العظيم وطبعه
الكريم.
وبعد مدة عُزل ذلك المأمور من وظيفته وخرج من
عكا وهو في حالة يرثى لها، لا يملك قوت يومه فضلاً عن أن يصحب معه عياله، فما كان
من جملة مكارم أخلاق فقيدنا ذلك المحسن الكبير الا أنه أعطاه من النقود كفاية، وصار
ينفق على عياله مدة طويلة، وأخيرًا أرسلهم الى الاستانة على نفقته مرفهين معززين
مكرمين. وله حسنات كثيرة أمثال هذه. وما فقيدنا الا حسنة من حسنات والده بهاء الله،
تغمدهما الله برحمته، وأعلى منزلتهما في عليين.
ثم ذكر حضرته مبادىء البهائية التي فصلناها
في كتابنا وشرحها شرحًا وافيًا ثم قال :
فالبهائية انما هي طريقة أخويّة عمومية سلمية تهذيبية أخلاقية، وهذا ما يتمناه كل لبيب، ويجتهد للوصول اليه كل عاقل أديب، والله الموفق لما يشاء. هذا، وقد كنت أسمعت فقيدنا الاعظم وهو حي
قصيدة لاحد أكابر الصوفية في وصف حال الاموات السعداء، نقلها الشيخ الاكبر في بعض
مؤلفاته وأثنى على ناظمها كل الثناء. فأعجب بها فقيدنا العظيم، وكأني الآن بروحه
العالية الطاهرة تخاطبنا بها من أعلى عليين وهي :
قل لاخوانٍ
رأوني
ميتًا
فبكوني اذ رأوني حزنًا
أتظنون بأني ميتكم لست ذاك الميت والله أنا أنا عصفور وهذا قفصي كان جسمي وقميصي زمنًا أنا في السور وهذا جسدي كان سجني اذ ألفت السجنا أنا كنز وحجابي طلسم من تراب قد تخلى للفنا فاهدموا البيت ورضوا قفصي وذروا الكل دفينًا بيننا وقميصي مزقوه رممًا واجعلوا الطلسم بعدي وثنًا لا ترعكم هجمة الموت فما هو الا نقلة من ههنا فحياتي وسن في مقلتي خيبة الموت تطير الوسنا لا تظنوا الموت موتًا انه لحياة هي غايات المُنى فاخلعوا الاجساد عن أنفسكم تبصروا الحق جهارًا بيننا حسنوا الظن برب راحم تشكروا السعي وتأتوا أمنا ما أرى نفسي الا أنتم واعتقادي انكم انتم أنا عنصر الانفس شيء واحد وكذا الجسم جميعًا عمنا فمتى ما كان خيرًا فلنا ومتى ما كان شرًا فبنا قد ترحّلت وخلفتكم لست أرضى داركم لي وطنًا فخذوا في الزاد جهدًا لا تنوا ليس العاقل منا من ونى أشكر الله الذي خلصني وبنى لي في المعالي ركنًا فأنا اليوم أناجي ملأ وأرى الحق جهارًا علنًا عاكف في اللوح أقرأ وارى كل ما كان ويأتي ودنا وطعامي وشرابي واحد وهو رمز فافهموه حسنًا ليس خمرًا سائغًا أو عسلا لا ولا ماء ولكن لبنًا فهو مشروب رسول الله اذ كان يسري فطره مع فطرنا فافهموا السر ففيه نبأ أي معني تحت لفظنا كمنا أسأل الله لنفسي رحمة رحم الله صديقًا أمّنا وعليكم من سلامي صيّب وسلام الله بدء وثنا" حضرة الاديب ديمتري أفندي
حبايب
"لا أدري ما أقول ولا بدع اذا ارتج عليّ الكلام في مثل
هذا المقام المهيب، الحافل بوفود الامراء والوزراء وأشراف القوم وعليتهم، ذلك
المقام الذي أتشرف الآن بالمثول فيه مؤبنًا احتفالاً بالاربعين لانتقال مولاي عبد
البهاء عباس الى رفيقه الاعلى .
وماذا عساي أن أقول في تعداد مناقب يتيمة هذا الدهر وشمس هذا العصر، من استظهر بحكمته الباهرة على جور الايام، وأعلى منار قومه بحسن تدابيره السامية فأرضى الملوك والامراء، واجتذب محبة واحترام الجميع لاقنومه الشريف دون أن يتساهل بشيء من واجب الغاية التي أتى لاجلها؟ أجل سادتي، وهل يقف امرء على تاريخ حياة هذا الرجل العظيم علم المحبة والسلام عنوان الفضيلة والتقوى بل رب الرحمة والاحسان امام البهائيين ورئيسهم، ولا يقول ان فقده يعد خسارة عامة للانسانية والعمران والهيئة الاجتماعية طرًا؟ أي معشر هذا الجمهور الكرام! انّا بصورة صاحب هذه الحفلة
الرهيبة عبد البهاء عباس، ذلك الغصن الاعظم للسدرة البهائية العليا، من نحتفل اليوم
بانتقاله الى دار الخلود حيث ينضم الغصن الى فرعه والفرع الى جذعه. عرفنا الاسد
العظيم الذي أنس بزئيره القاصي والداني وما زئيره الا حكم وفضائل. عرفنا الملاك
السماوي الذي قدم حياته الارضية قربانًا على مذبح الانسانية بل الكبير الذي طابت به
نفوس ذوي البأساء والمساكين، بل الزاهد الذي انحنت له الجباه اجلالاً واحترامًا،
وخطبت مودته أكابر البلاد وعظماؤها، وعرفه العالم الجديد بشير الخير ورسول السلام،
فأكبروا شأنه ودهشوا بحكمته السامية وانصاعوا لآرائه السديدة وأقروا بأنه ملاك
بصورة بشر، انما جاء دار الشقاء ليهدي الناس سُبل الهداية والفضيلة. ولا عجب، فهو
صورة البهاء ووجه البر وشمس الاحسان مثال الوداعة والحكمة. كانت حياته على الارض
كلها طهارة وانكار الذات، يأمر بالخير ويجبر القلوب المنكسرة، فضائل تفرّد بها لا
يدانيه بها أحد. اما عظاته الشائقة وخطبه الرنانة، فقد طأطأت لسماعها اجلالا رؤوس
العلماء والفلاسفة وفي مقدمتهم فلاسفة الامريكان وعلماؤهم، فمالوا اليه وقبلوا
دعوته حتى أصبح أتباعه هناك يعدون بالالوف المؤلفة، وكفى بها وصفًا انها كانت نورًا
للجاهل، ورجاء للبأس، وتعزية للمسكين. هذه أيها الجمهور، صفات هذا المنتقل العظيم
الذي تحتفل اليوم الاسرة البهائية الشريفة بتذكار أربعينه المجيد.
انه لحريّ بنا، والحق وضاح، بأن نقرن هذه الذكرى بذكرى
حياته الطاهرة التي سوف يبقى صدى تأثيرها السعيد يرن في أنحاء المعمور ويوحي بترقية
النفوس ويلهم بتهذيب الاخلاق. مزيتان كانتا دعامة دعوته وغاية أمانيه، وأنّى لي أن
آتي على ذكر مناقبه السامية وفضائله الروحانية وبرقيات تعازي الملوك والامراء
والاشراف والعظماء للاسرة البهائية الفاضلة أثر فقده هذا الذي أحدث في الكون رنة
أسف شديد، لأعظم برهان وأصدق شاهد على ما للسيد عبد البهاء عباس من الاجلال
والاحترام في عيون أمم المعمور. فلا بدع اذا ندب العالم رجل العصر ومؤيد النظام
الالفي السامي.
فسلام عليك يا روح عبد البهاء حيث أنت الآن، سواء كنت
حاضرة بيننا أم أنت مقيمة في فراديس الجنان في عالم النور الاعلى، حيث تلتقي
الارواح خالدة بعد الانتقال من عالم الفناء. بل سلام عليك يا مولاي أبا الفقراء
والبائسين، بل ألف سلام عليك يا من:
هيهات أن يأتي الزمان
بمثله
ان الزمان بمثله لضنين"
حضرة القس الورع والواعظ المشهور المسيو سلمون
بوزاكاو
(الخطاب باللغة الفرنسية وعريه سليم فبعين) "سادتي:
لا أعد نفسي سعيداً كما يجب لو أكتفيت بأن أكون من الحضور أو الشهود في هذه الحفلة الحافلة. كلا، بل أرى من الواجب أن أشترك مع الخطباء في شعوري وعواطفي مقدرًا وهاتفًا بعظيم الاعتبار لمن أقيمت هذه الحفلة التذكارية لاجله، مرددًا صدى ألطافه الجمة الا وهو المنتقل الى رحمة ربه -عبد البهاء عباس. لا معنى للخوض في تقديم المدح والثناء لعباس البهاء، فان
ذلك من قبيل طلاء الذهب الممحص، أو محاولة تغطية لون الزنبق الطبيعي، أو التشبث
بنشر رائحة الزهرة الذكية. أجل، جرأة مني أن أقف لأقول شيئًا في هذا المحفل الحافل
الذي يشف عن عظمة وحسن خلق ذلك الفقيد الكبير لانكم عاشرتموه سنينً، أحببتموه
كرمتوه بل ذكراه غمرت حياتكم بعبيرها الذكي. بيد أنه يمكنني أن أقول اختباراتي
الشخصية منذ عرفته لغاية هذه السنة حيث حلًت قدماي جبل الكرمل، ولم يكن مسكنه
الشريف بعيدًا عن مسكني بل كنًا جيرانًا ’والجار يشرف قدره بالجار‘. والحق أقول
بأنه كان لي الحظ السعيد لتمكني من التشرف بصداقته التي جاد بها عليّ فضلاً منه
ولطفًا، وذلك لعمري ليس بالغريب لأنه جذب الالوف الى محبته، الأمر الذي كان من
ثمرات صفاته الشريفة وطبعه الجميل، ولقد ترك الفقيد في قلبي أثرًا جميلاً من بساطته
ورقة طبعه وحسن خلقه واني لن أنساه ما دمت حيًا.
في صباح يوم بهيج من فصل الربيع بينما كانت الغزالة تلقي أشعتها الفضية، والطبيعة تتجلى بجمالها وتعطر الكون برائحة زهورها الذكيًة، زارني الفقيد وشاركني في طعام الصباح. حديثه العذب وهيئته الرضيًة مملوئان نعمة طبيعية دون أقل
ادعاء بل كان مثال التواضع والعظمة .
لا أتجاسر أن أخوض أكثر من ذلك لأني أرى أنه يوجد كثيرون من الحاضرين الذين اختبروه وألفوه أكثر مني لا سيما العازمون على اظهار عواطفهم تجاهه. ما أعجب هذه الشهادة ونحن المجتمعون نمثل أديانًا متعددة
من اسلامية ومسيحية ويهودية وغير ذلك من الاديان السماوية، ومع ذلك لا تتلعثم
ألستنا اذا ادعيّنا صداقة من جئنا نعزز ذكراه الا وهو عبد البهاء عباس.
فها اني أختم كلماتي مظهرًا عواطفي شاكرًا من صميم الفؤاد فرصة نلت بها التشرف بصداقته ومؤكدًا احساساتي وعواطفي الودّية لاسرته البهائية الكريمة، سائلاً الحق سبحانه وتعالى بادعيتي الحارة لأن يغمرهم بنعمته ويعزيكم جميعًا ويملأ قلوبكم فرحًا وسلامًا أبديًا" . حضرة الكاتب الاديب محمود لطفي
الصفدي
"سادتي أسرة عبد البهاء عباس المحترمين
ان مرضي حال دون تشرفي يوم الجمعة في داركم لأتلو ما نظمته على مسامع الحاضرين وهي الابيات الآتية: يا أيها الدار عهدي فيك
مشرقة
وبدر تمك في أعلى السماك سما
يا مهبط الوحي أين البدر محتجب أين السراج الذي أبهى لنا الظلما فرد تعود جميع المشكلات له يحلها ببيان حيّر الحكما وقفت أنظر فيها أو أناشدها عن سيد كان للاجين معتصما فلليتامى أبا قد كان ينعشها برًا شفوقًا رحيمًا لم يدع ألمًا يا عاذلي لا تلم جهلاً ولا حسدًا ولا سفاهة لا وقيت شرهما هذا هو الفضل أن تبكي العيون على فقيدها عوض الدمع الجمان دمًا مولى غدا الكعبة الغراء مرقده وقد ثوى في الثرى نجم السما فسما وقد تمنى على الله الصعود الى أفق العلى حيث مأواه الذي قدما ليلا فسبحان من أسرى به سحرًا الى مقام علا قد خصه قدمًا" حضرة الاديب الاستاذ موسى
أيوب
"سادتي:
ان انتقال الزعيم الاكبر ورجل الانسانية السيد الجليل عبد البهاء عباس يعد خطب جلل للآداب والحكمة باحتجاب عالمهما، وأعظم خسارة للعالم والفضل بفقد ركنهما. فوجب على كل من ورد منهل العلوم ورشف من سلسبيلها ولو قطرة، أن يوفي العالم الكبير والحكيم الشهير حقه ولو بكلمة. ولا أرى أنسب من وضعها في يوم أربعينه العظيم فأقول: يموت كل يوم ألوف من الناس. يلحد عشرات من الرجال المعروفين، ومع ذلك لا يؤثر موتهم على المحيط الذي عاشوا فيه ولا يحدث انتقالهم فراغًا محسوسًا بين أمتهم، ذلك لان الرجل الذي يموت لنفسه لا يؤثر سوى على نفسه، والرجل الذي يموت لاجل عائلته تتوجع عليه عائلته، أما الرجل الذي يموت لاجل الانسانية فانها بمجموعها تتألم وبكامل أفكارها تجدد فكرته. كم من الناس دفنوا بهذه السنة ولم يحدث لهم من التأثير
مقدار جزء من ألف مما أحدثه انتقال عبد البهاء – ذلك لأن فقيدنا عرف أن يعيش لنفسه
ولغيره. عاش رجل المبدأ ومات رجل المبدأ، ورجال المبدأ نادرون، وأندرهم من طبّق
أعماله على علمه، وجعل حياته مثالا لمبادئه، وبفضل أعماله خلد ذكره بين أصحابه
ومحبيه. فللانسان مدة حياته ثلاثة أصدقاء: أحدهم يتركه حا | |||